أيامٌ معدودات

تمشي بحديتها خلف الزجاج بتمهلٍ يُرضي الجميع، لقد صارت الـ(8:30) عشية، ضوءٌ أزرق مريح يملأ كل زوايا المكان، وينعكس على صفوف المصلين الكثيفة بالراحة والسلام، أم إنها الراحة التي تبعث بها آيات القرآن؟



“توقفت عقاربها بالتأكيد!”
إنها الآن الـ(3:00) عصرًا، تتباطأ قتل الدقائق الأصعب، وتسير العقارب على مهل وقصد كأنها عقدت اتفاقًا تختبر فيه قوة الصبر للممسكين عن الطعام والشراب منذ ما يقرب من (11) ساعة.

صارت هى مركز الدور الآن، فما بين الشمس -التي تقف وقفة الغُزاة وتحتل المدائن بالخارج-، وما بين الساعات المتبقية، تدور هي في مدارها الخاص ويدور الجميع من حولها.

تجوب الشوارع قاضيًا متطلبات الفطور، متوسطًا عددًا لا بأس به من ثمار الخضروات، تستلقي على الفراش بعدما قضيت ليل السحر البارحة مثلما أردت، نظام حركتك تدرو حول الساعة، تراود عقلك فكرةٌ واحدةٌ فقط، “سأمثل أنني على غفلة من عقاربها؛ لأتفاجأ بأن الساعات قد مضت سريعا”.

“توقفي يا عقاربها هنا قليلًا” صارت الآن الـ( 6:45) دقيقة، تراصت أطباق الفطور على المائدة -بما كان يعد له لوقتٍ طويل-، وفردت السماء حاجبيها مبتسمة للجميع منذ الـ(6:00) تقريبًا، وظهرت المائدة أخيرًا بما يليق بنهارٍ طويل من الصبر، وخلت الشوارع من المارة، الجيران من حولنا والجيران بالمدن الأخرى على أهبة الإستعداد الآن، التمر في أيدينا، والدعاء ينتظر له مخرجًا، والحركة ما زالت تدور حول المائدة كأنها تعطي لمسماها معنى بالشيء الذي يحمله أو يملئه صاحبها، لم تجد لها مثل هذا المذاق قبلًا، سكرانةٌ هي في جو يعمه السكون، تستمر على حالها ذاك لدقائق حتى ينطلق أذان المغرب من المسجد القريب؛ فتسكن وتسكن معها صوت العقول والأبطن، وتهدأ عقارب الساعة، ويعلو المشهد صورة واحدة يُتمتَم فيها :” اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت”.

تمشي بحديتها خلف الزجاج بتمهلٍ يُرضي الجميع، لقد صارت الـ(8:30) عشية، ضوءٌ أزرق مريح يملأ كل زوايا المكان، وينعكس على صفوف المصلين الكثيفة بالراحة والسلام، أم إنها الراحة التي تبعث بها آيات القرآن؟

إنها تطول وكأنها تقصر، وكلما طالت قصرت، طالت أم قصرت ستظل الصفوف المتكاتفة خاشعة وناظرة تجاه الله في استقامة الصفوف، المسجد جدرانه تهتز لأصوات التأمين خلف الإمام، والأطفال في الخلف يعدون الصفوف سرًا، ومازال غريبا أن تكثر هذه الصفوف في رمضان فقط، لكنه جميلاً على أي حال.

“عقاربها تغرينا بالسأم ولا نسأم” جرت العقارب على مرأى من الجميع، ثم فاجأتهم بأنها صارت الـ(3:00) فجرًا، صوت الكرة وتسميات الفريق مازال يصخُب الشارع خارجًا، وبيوت الطرقات تعلوها الهدوء، هدوءً يتسم بالتعب جراء يومهم الطويل، حتى القمر قد غاب عن واجهة السماء، والرجل ذو الطبلة المألوفة توقف عن النقر منذ قليل.

في مثل هذه الأوقات يكون طبيعيًا أن تُختتم شعائر اليوم ويُستمتع بما تبقى منه، لكنني وفئة قليلة تشبهني نتوسط عدة كتب شاغلين بها الرؤس حفظًا، ومدبرين عن مذاق الشعائر هذه وجدانيًا، وعن الملحمة الرمضانية خلف الشاشة الكبيرة؛ فالامتحانات اختارت هذا الوقت تحديدًا لتكون مسوى له دون شهور أُخري، ودون تفكير طويل منك تتوصل ببداهة إلى الغرض من توقيته ألا وهو :” اختبار صبر المؤمنين منا، وتقويم من هم دون ذلك” لكن في الجهة الأخرى من ذلك هناك فجرًا فريدًا يرتسم لنا خلال النافذة، يضفي عليه بهجة فانوسًا مزخزفًا مازال منيرًا بالجوار.

الآن سينطلق المدفع ممسكًا عن الطعام والشراب، الذي فُقدت لذته المشتهاه بعد الفطور، وسينطلق بعده الأذان معلنًا عن فجر حقيقي ليومٍ جديد، أظن أن الجميع في مثل هذا الوقت والذين يلتهمون كوبهم الأخير من المياه يفكرون في كم سيكون الغد منهكًا وحارًا، لكن دائما وفي هذه الحالة ما عليهم إلا أنويتغاضوا عن عقارب الساعة ليتفاجأوا ثانيةً في أماكنهم المختلفة أنها قد مضت سريعًا، ويداهم آذانهم صوت مدفع الفطور مرة أخري، وتهدأ صوت العقارب ويعلو المشهد تكاتفًا حول المائدة، وشفاة تتمتم: “اللهم لك صمت…”، وقلوب ترجوا أن “يثبت الأجر إن شاء الله”