الصبي كاسيوس – محمد علي

وقال الرئيس الأمريكي السابق (باراك أوباما): "إن محمد علي هز العالم، وبات العالم أفضل إثر ذلك"، وأوضح أنه كان يحتفظ في مكتبه الخاص في "البيت الأبيض" بقفازي الملاكمة الخاصين به.



لم يكن الصبي “كاسيوس كلاي” -كما كان يُدعى آنذاك- قد تجاوز الـ(12) من عمره عندما سرق أحد الأشخاص دراجته الهوائية وهو برفقة صديقه في إحدى صالات الألعاب، فثار الصبي ثورة عارمة، وتلفظ بألفاظ التهديد والوعيد إلى رجل شرطة يُدعى”جو مارتن” قائلًا:
“أنه سيسحق السارق سحقًا أو يضربه ضربًا مبرحًا عندما يعثر عليه”، فما كان من رجل الشرطة إلا أن سخر من الصبي الطويل النحيف قائلًا له:
“من الأفضل لك أن تتعلم الملاكمة أولًا قبل أن تحاول ضرب أحد”، ولم يخطر بباله أنه -بهذه الجملة الساخرة- سيكون سببًا في تغيير مسار حياة هذا الصبي وتوجيهه إلى تعلُّم الملاكمة ثم احترافها.

“كاسيوس مارسيلوس كلاي” وُلد في مدينة “لويزفيل” بولاية “كنتاكي الأمريكية” عام (1942) لأسرة فقيرة، عانى مع أسرته من سياسة التفرقة العنصرية التي كانت سائدة في هذه الفترة، وكانت بدايته في عالم الملاكمة عام (1954) في صالة الألعاب الرياضية التي يديرها “مارتن”، أخذ التدريب على محمل الجد، فكان يتدرب ستة أيام في الأسبوع تزامنًا مع دراسته، فكان يستيقظ مبكرًا لكي يذهب إلى الجري وفي المساء يذهب للتدريب، فتألق كهاوٍ ووصل إلى قمة أدائه عام (1960) عندما فاز بميدالية ذهبية أولمبية في دورة “روما الأولمبية”، احتلّ بها “المرتبة الأولى” في ملاكمة الهواه وقتها؛ مما جعل الوقتَ مناسبًا لكي يحول موهبته من مجرد هواية إلى مهنة احترافية، وحقق انتصارات متتالية واتبع تكتيكات كانت بمثابة سلاح ذو حدين فكانت تقلق الخصم، وكانت تشُوق الناس لرؤيته، فلم يكن يتنبأ بهزيمة خصومه فحسب، بل كان يتنبأ أيضًا بتوقيت هزيمتهم في جولة بعينها، وغالبًا ما كانت تتحقق هذه التوقعات وهو ما زاد من شهرته على الساحة العالمية.

صدم العالم في عام (1964) عندما استطاع إقصاء الملاكم “سوني ليستون” عن عرش الملاكمة وكان عمره لا يتجاوز (22) عامًا آنذاك، وبعد انتصاره فاجأ العالم بين ضجيج هتافات المعجبين، وبريق فلاشات آلات التصوير بمفاجأة من العيار الثقيل، ووقف وأعلن أمام ملايين الشهود الذين تحلقوا حول الحلبة وأمام أجهزة التلفاز بإسلامه مرددًا:
“أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله” وتخلى عن اسم الطفولة واسم العائلة “كلاي” الذي اعتبره اسمًا “للعبيد”، وغير اسمه لـ”محمد علي”، وعلى عكس المُتوقع لم ينقص ذلك من شعبيته بل ازداد حب الناس له واكتسحت شهرته الآفاق.

خلال السنوات الثلاث التالية، أصبح واحدًا من أكثر الرياضيين شعبية، ليس فقط أشهر الرياضيين وإنما أصبح رمزًا يفتخر به كل شخص أسود، فكان بلا شك في عز ازدهاره في هذه الفترة، أمرت المحكمة العليا في ولاية “نيويورك” عام (1970) أن يستعيد رخصة الملاكمة من جديد بعد أن تم ايقافه بسبب عدم قبوله للمشاركة في “حرب فيتنام”، خاض بعدها مباراة وُصفت بأنها “مباراة القرن” ضد “فريزر” حيث لم تسجل هزيمة لأي منهما في أي مباراة من قبل، وكانت مباراة من (3) مباريات متفرقة فاز باثنتين منهم، حتى اعتزاله عام (1981) بعد سجل تاريخي حافل بـ(56) انتصارًا من أصل (61) مباراة فاز بـ(37) منها بالضربة القاضية.

رحل “محمد علي” عن عالمنا في (3 يونيو 2016) جراء “صدمة انتانية” نجمت عن أسباب طبيعية غير محددة، تاركًا لنا إحدى مواقفه لاعتزازه بدينه حين كُرِم بوضع نجمة له بـ(رصيف المشاهير) في “هوليوود” حيث يُكَرم الصفوة من مشاهير أمريكا بوضع أسماءهم في نجمة على هذا الرصيف لتخليدهم لكنه رفض وقال:
“إن اسمي محمد، وهو اسم النبي الذي أتبع دينه ولا أريد أن يُداس على اسم النبي محمد -عليه الصلاة والسلام-“ فكان هو الوحيد الذي يتم وضع اسمه على الحائط دونًا عن باقي أسماء المشاهير.

صاحب الحركة الرشيقة التي كان يتميز بها على الحلبة والقبضة الحديدية، التي كانت تطيح الخصوم أرضًا وجعلت منه بطلًا عالميًا أسطوريًا، عرف كيف يكتسب شعبيته حول العالم، ليس فقط من خلال ما كان يؤديه على الحلبة، بل خارجها أيضًا هناك حيث كانت حلبته الأوسع ونزالاته الأشرس لنصرة المستضعفين، بدءًا من أبناء جلدته إلى كل مظلوم صاحب حق. كثيرة هي المحطات التي تحكي عن “محمد علي كلاي” الأسطورة والأيقونة والقدوة والملهم المؤثر على الصُعد الرياضية والاجتماعية والسياسية. حيث قال أسطورة كرة القدم، اللاعب البرازيلي (بيليه):
“إن العالم الرياضي عانى من خسارة هائلة بغيابه”.
وقال الرئيس الأمريكي السابق (باراك أوباما): “إن محمد علي هز العالم، وبات العالم أفضل إثر ذلك”، وأوضح أنه كان يحتفظ في مكتبه الخاص في “البيت الأبيض” بقفازي الملاكمة الخاصين به.

-أحمد صقر.