ليس على شاطئ البحر من يجيب

أحمل لها عتابًا يمزقني كلما أذكر ما فعلته، ولكني لم أنساها، تزوجت وأنجبت طفلة وأسميتها (سيرا) بإسمها، فلتغفر لها يا الله.



بينما كنت أتعمق كعادتي أمام البحر، ليشعرني بنوع آخر من الحياة وأستعيد من خلاله الرغبة في استكمال طريقي للمنزل بكل الضجيج والصراخ الذي لا ينتهي، وجدت الزجاجة التي لطالما حلمت أن أجد واحدة منها يومًا كما كنت أشاهد في التلفاز -رسالة من مجهول أو شخص ما يعاني ويريد أن يسمعه أحد- انتابني الفضول لدرجة أني لم أستطع تمالك نفسي للوصول إليها بأي طريقة رغم أني لا أستطيع السباحة، وها أنا ذا حصلت عليها بعد محاولات كثيرة من القفز والبلل ولم أكن أدري أن سبب فضولي هذا وراءه أمرًا عظيمًا، أخرجت منها ظرف، كانت تقول بخارجه بيدٍ يبقى من الخط كأنها مرتعشة
كثيرًا ما كنت أتشاجر مع نفسي، ما بين رغبتي في الهروب أو الفناء، وكلاهما طريقين نهايتهما واحدة بالنسبة لي، هذه قصتي لعل أحدًا يقرأها يومًا ويدعو لي بالمغفرة“.

ولما أخرجت الرسالة وجدت “قال لي الطبيب أنه لا أمل من شفائي، لأنني أعاني من ذلك المرض الخبيث“، لم أهتم لما يقول، دائمًا ما كنت أشعر أنني عبء العائلة، فكيف لأختي أن تنتظر كل هذا الوقت ولم تتزوج لكي ترعاني!

أتجدني صغيرةً إلى هذا الحد وأنا أبلغ الحادي والعشرين!
وأبي لماذا ينظر لي هكذا هل يشفق عليّ، لماذا أجد في عينيه الذبول! اشتقت لكِ كثيرًا أمي، أتعلمين سمعت أبي يومًا يقول لأختي أنك كنتِ تحملين المرض، ولكنكِ لست شخصًا سيئًا حتى يترك لي شيئًا كهذا ويرحل.

مللت كل شيء، الأمور نفسها، انتبه في دقات الساعة المحددة وأتجاهل بعضها، لا أستطيع الذهاب للمدرسة، الجميع يتنافرون مني لأن ليس لدي شعر كأي فتاه في سني، آكل طعامًا محددًا، أعيش في غرفتي ليل نهار منتظرة اليوم الذي يليه حتى يدخل عليّ أبي ويقبلني على جبهتي ويحتضنني ويرحل ليذهب للعمل ويعود في اليوم التالي.

الساعة تدق الخامسة، إنه الوقت المعتاد الذي أرى فيه الطبيب ويقول لي الكلام ذاته “إنك ستكونين بخير فقط اصبري“، الأيام متشابهه وتبدو روتينيه حتى جاء اليوم الذي أذكر مدى كرهي له بقدر حبي له فيما بعد، الذهاب للمستشفى، رغم أنه المكان الوحيد الذي لم آمل في الذهاب له ولكن على الأقل وجدت بشرًا مثلي، يجدون العالم الخارجي ممل ومزيف وهناك تعرفت على صديقة رقيقة في نفس سني، كنت أحاول أن أراقبها كثيرًا لم أجد جمالًا يشبه جمال ابتسامتها ولم أجد أملًا يشبهها، وجدت يدًا تلمس كتفي برفقٍ غير عادي وحينما التفت وجدتها، أيمكن أن نغوص في أعماق شخص لدرجة أننا نتخيل وجوده أمامنا وهو بالفعل بجانبنا؟

لم أعهد في حياتي شخصًا نقيًا هكذا، ولكنها رحلت كغيرها، تبدو كما لو كانت مشابهة تمامًا للحياة رحيمة حد القسوة ومشرقة حد الظلام.

عرف أنني تحدثت كثيرًا بلا فائدة، ولكني بلا تردد قررت أن اقتل نفسي قبل أن يقتلني المرض ليس الخبيث ولكن مرض شعور بأن الجميع يشفق عليّ، فالحياة أخذت مني ولم تعطني، ولا أود أن أخسر أشخاصًا آخريين أو أجعلهم يعانون من أجلي.”

إمضاء ” منتحرة لم تعش أبدًا

من هول الصدمة لم أستطع تمالك نفسي، فوجدت أصابعي تفض سره لتبيح لي بما تخفي من كلمات، كثيرًا ما كنت أصرخ من الداخل وشعرت حينها بلهيب في قلبي لم أشعر به قط من قبل، سرعان ما تحول لبكاء طفل تائه وبركان من الصرخات المتتالية.

يا إلهي!

إنها أختي، من تسكن السماء الآن، كيف بعد كل تلك السنوات!
أحمل لها عتابًا يمزقني كلما أذكر ما فعلته، ولكني لم أنساها، تزوجت وأنجبت طفلة وأسميتها (سيرا) بإسمها، فلتغفر لها يا الله.

ألقيت تلك الرسالة بعيدًا، وانتكست على ركبتي غير عابرة بشيء، حتى أنني لا أدري كيف الطريق للمنزل!