ولكن النجوم لم تحترق بعد!

كل شيءٍ سينتهي حقًا، ولكن النجوم لم تحترق بعد!



ندمت أكثر الندم أنني لم أقابله يومًا، لم أستطع أن أخبره عن رد فعلي، تفاعلي مع كل قصة وكل مقال، كل رواية غرقت فيها حتى النخاع، كيف أخذني كل عدد من “ما وراء الطبيعة” إلى عالم خيالي جديد.

لم أستطع أن أخبره أن عوالمه الساحرة يصبح الخيال فيها حقيقة، وتسبح فيها الأفكار كحوريات باهرة، وتتنوع بين المثالية الملهمة والواقعية المؤلمة.

لا أستطيع أن أخبره مقدار حزني الآن. د/ أحمد خالد توفيقالعراب” الذي يشكل جزءًا لا ينسى من طفولتنا وشبابنا، ابن طنطا الذي تشرب كل أصالتها، الكاتب الشاب الذي أبدع أول ما أبدع فلاقى إبداعه الرفض، لكن عندما قرأه د/ نبيل فاروق أشاد به، ليصبح أول كاتب رعب في العالم العربي، وليمتع أجيالًا من القراء عشقوا هذا اللون من الأدب بفضله.

أستاذ طب المناطق الحارة، هادم الأساطير وفاتح الصندوق، من أخذنا إلى “ما وراء الطبيعة” في رحلة “سفاري“، لنتعرف على الـ “فانتازيا” بشكل جديد، قابلنا “رفعت اسماعيل” وأشباحه، وعشنا معه أساطيره وحكاياته، وسبحنا في خيال “عبير” مع مغامراتها الجنونية، وهو من أرانا لمحات عن مستقبلنا في “يوتوبيا“، وعن ماضينا القريب في “السنجة“، وما هو ثمن المعرفة الحقيقية في “مثل إيكاروس“، كل ما كتبه كان رحلة تأخذك بعيدًا إلى جديد لم تألفه، مما يجعلك تتعجب؛ كيف اتسع رأس شخص واحد لكل هذه العوالم بتعددها واختلافها!

نميل دومًا لتحويل الأشخاص إلى رموز، إلى ربطهم بقيم أكبر، وننزع عنهم فناء بشريتهم؛ لنجد فيهم قدوة ومثالًا وأملًا يعيننا على التقدم، لكن الكاتب لم يكن يومًا شخصًا واحدًا، كان كل الأشخاص التي رسمها بقلمه، وكان كل فكرة عبر عنها، ولهذا لا نستطيع أن نختزل العراب في قيمة واحدة، لقد كان هو الحرية والخيال والحب والألم، كان كل ذلك وأكثر، ولا يزال؛ لأن القيم والأفكار لا تفنى، ولهذا هو لم يمت.

لم يمت لأنه خلد نفسه في صفحات (236) عدد من سلاسله الست، وفي عوالم رواياته، وبين حروف مئات من المقالات على مدار سنوات كتابته، لم يعش العراب (56) عامًا فقط، بل عاش حيوات لا تحصى، بأعمار كل ما قرأ وما كتب.

لكن الثاني من إبريل ليس النهاية، ربما يكون رحيلًا مؤقتًا، غيابًا سنعتاده، ولكنه ليس موتًا بالتأكيد.

ربما سيموت العراب بعد موت جيلنا واندثار أفكارنا، ربما سيموت حقًا عندما تختفي حروفه وتفنى عوالمه، وإلى ذلك الحين، ستظل روحه بين السطور، ولن نجد كلمات نودع بها رحيله أبلغ من كلماته: “وداعًا أيها الغريب… كانت إقامتك قصيرة، لكنها كانت رائعة… عسى أن تجد جنتك التي فتشت عنها كثيرًا… وداعًا أيها الغريب… كانت زيارتك رقصة من رقصات الظل… قطرة من قطرات الندى قبل شروق الشمس… لحنًا سمعناه لثوان هنالك من الدغل… ثم هززنا الرؤوس، وقلنا إننا توهمناه… وداعًا أيها الغريب… ولكن كل شيء ينتهي.

كل شيءٍ سينتهي حقًا، ولكن النجوم لم تحترق بعد!