أثر الفراشة لا يزول

بل مثالًا لقوة وإرادة الأنثى؛ تطل بابتسامتها المشرقة فتنزع من داخلك كل خلايا اليأس، تنشر حكاياتها مع المرض وكيف لجلسة كيماوي أن يختفي وجعها بمجرد جلوسها بين أزهارها وتناولها لكوبٍ من القهوة وهي تنشق



هناك حروب يومية تنشب من حولنا، نجدها أحيانًا وتجدنا كثيرًا، منها حروب كبرى تخوضها دول وشعوب، وحروب أصغر يخوضها أشخاص في حياتهم اليومية لا تقل وطأة عن تلك الكبرى.

حروب نخوضها معارك ننتصر بها أو نهزم، لكن الأهم هو أن بعد كل معركة منهم ننهض ونُصِر على استكمال الحرب للنهاية، ولا بديل لنا سوى تتويج مسعانا بالانتصار.

تماماً كـ “ريم بنا” التي ولدت في (6) ديسمبر (1966) ببلد جعلها تعيش حربًا كبرى منذ لحظة ولادتها، ولدت ريم بفلسطين، حدث لربما وضعها أمام الناس في موقف لا تحسد عليه، فبينما أطفال العالم يبدأون صباحهم بابتسامة آباءهم تحييهم على مائدة الإفطار كانت هي وباقي أطفال بلدتها ينظرون أمهاتهم يودعن آباءهم بدموع الفخر ولا تتوقف ألسنتهن عن الدعاء لهم بالنصر والنجاة، وعلى العدو بالهلاك، وللتاريخ بأن ينصفهم بين صفحاته.

كبرت المقاومة بداخلها يومًا بعد يوم، -خاصة- أنها أتت من رحم أم قوية وصلبة، كانت من رواد الحركة النسائية داخل فلسطين “زهيرة صباغ، ولكن لم تكن المقاومة وحدها هي من تعبر عن ريم وتُعَرِّفها؛ فقد برعت في الغناء منذ صغرها فذهبت لدراسة الموسيقي والغناء في معهد (Gnesins) بموسكو وتخرجت عام (1991) لتبدأ مشوارها الفني في ذلك الحين بألبومين “جفرا، دموعك يا أمي” ومن بعدها وهي تمتلك قلوب الشعب الفلسطيني لأن صوتها عُرف دومًا بإحياء التراث والثقافة الفلسطينية، ثم قررت أن تترك لصوتها الحرية ليعبر حدود الوطن لجميع أنحاء العالم وبخاصة الشق العربي منه، وأن يكون ناطقًا بكل ماهو جميل وليس ماهو فلسطيني فقط.

حربٌ كبرى تخللتها حرب صغرى ولكنها مشابهة لها إلى حد ما؛ ففي عام (2009) أصيبت ريم بسرطان الثدي، وكان له من المقاومة نصيبًا مماثلًا تمامًا لمقاومة الاحتلال، كما شبهته ريم “مثل ما الاحتلال غزا فلسطين، السرطان بدو يغزو جسمي. ومثل ما بنقاوم الاحتلال راح أقاوم مرضي” وهنا ظهر دور النشأة على المقاومة الفلسطينية، فعلى مدار الأعوام الماضية كان كلما زاد السرطان في بطشه بجسد ريم، كلما زادت مقاومتها وصمودها وجمالها.

وبالرغم من انتصارها عليه في عدة معارك إلا أنه كانت له أحد الضربات القاضية في (2016) حيث أصابها في أوتارها الصوتية فلم تجد من حل سوى التوقف عن الغناء، لكنها أبدًا لم تتوقف عن كونها جميلة.

لا، لم تنتهي ريم لمجرد أنها توقفت عن الغناء، ومع أنها كانت تستعد لإطلاق ألبومٍ جديد بطريقة مختلفة كي ترد له ذلك الصاع إلا أنها أبدًا لم تكن مجرد صوت عذب يغني فيُبهِج، بل مثالًا لقوة وإرادة الأنثى؛ تطل بابتسامتها المشرقة فتنزع من داخلك كل خلايا اليأس، تنشر حكاياتها مع المرض وكيف لجلسة كيماوي أن يختفي وجعها بمجرد جلوسها بين أزهارها وتناولها لكوبٍ من القهوة وهي تنشق رائحتهم الممتزجة بهواء الوطن، تمنح كل طاقتها من أجل مكانة وطنها، فيودعها أهلها بغناء “موطني“.

نعم، رحلت ريم بعد رحلة دامت اثنين وخمسين عامًا.
رحيلٌ على الرغم مما سيترك خلفه من أوجاع في قلوب الكثير والكثير من الناس، إلا أنهم يعلمون أنه لم يرحل سوى جسد ريم، فذكراها وروحها طرحت بداخل كل هؤلاء الناس ورودًا لن تذبل يومًا ويغزوها مرض وترحل.
هذه الحياة جميلة، والموت كالتاريخ… فصل مزيف
–ريم بنا.