الأسطوري صاحب الرقم (11)

أخبره رئيس النادي آنذاك أنه: "قليل الخبرة، وصغير الجسد؛ ولذلك فهم ليسوا في حاجة إليه"، لكنه لم يستسلم كما كان متوقعًا له أن يفعل، وكما يسير السيناريو مع أمثاله دائما.



منذ تلك اللحظة التي سدد فيها الكرة -في الدقائق الأصعب على الإطلاق بالنسبة لنا-، والتي كنا نقف قبلها بدقائق مخطوفي الأنفاس، غير قادرين على الحزن أو حتى الاندهاش من ملامح الحلم الذي كاد أن يسرق منا… منذ ذلك الحين ونحن نعتبره بطلًا أسطوريًا أرسلته آلهة الخير في السماء؛ ليعيد لنا نبض قلوبنا الذي كاد أن يتوقف.

لقد كانت ضربة واحدة فقط في شباك اليأس وسلسلة الإحباطات التي ظلت معلقة حول رقابنا لسنواتٍ طويلة، ليس فقط فيما يتعلق بالإنجازات الكروية و”حلم المونديال” الذي ظل بعيدًا عنا لثلاثين عامًا، ولكنه سدد في التفاصيل الصغيرة التي تتعلق بحياتنا، ونعلق عليها أمالًا كبيرة اعتدنا أن تنتهي في كثير من الأحيان بالفشل؛ بسبب ظرف هنا وآخر هناك، حتى أننا بتنا نتوقع الأسوأ قبل وقوعه.

كانت ضربة واحدة قال بها لنا: “عليكم أن تنتظروا كل سكناتي وتحركاتي القادمة؛ لأنني سأحطم بها تماثيل اليأس بداخلكم”.

إحتفال محمد صلاح بعد إحرازه ضربة الجزاء أمام الكونغو

إحتفال محمد صلاح بعد إحرازه ضربة الجزاء أمام الكونغو

إنه “محمد صلاح” -أو كما يقف مشجعو الدوري الإنجليزي مسحورين به ومتغنيين باسمه “مو صلا… لا لا لا لا لا”- الذي امتلك ما يكفي من المقومات ليستطيع قولبة السؤال مرة أخرى بداخلنا من “كيف؟!” و”هل؟!” إلى “لِمَ لا؟!”، وليحول كل دائرة من دوائر سلسلة الإحباطات إلى منارة أمل لكل حلم صغير.

عندما أفكر في أمر السحر الذى يصنعه بالكرة، أو في هتافات المشجعين حول العالم بمجرد تواجده على أرضية الملعب، فلا أستطيع أن أحدد مكونات لتلك الوصفة المؤثرة المفعول، أو ماذا يكمن بداخل رأس كل مشجع جلس خصيصًا ليتابع فيها فريق (ليڤربول) من أجله، لكنني في كل مرة أدخل نفسي في عين وعقل كل محب له، وأجلس كما المسحورة بتحركاته لأتكهن وأفكر، كيف يكون له مثل هذا التأثير؟!

بداية صلاح في المقاولون العرب

بداية صلاح في المقاولون العرب

وفي الواقع لقد وصلت إلى حقيقة أننا لا نرى “محمد صلاح” بصورته الحالية، لكننا نرى فيه اللاعب الصغير الذي كان يلعب ضمن صفوف “المقاولون العرب” -النادي الصغير نسبيًا وسط كوكبة النوادي الكبيرة- ، الذي عندما واتته الفرصة الكبيرة التي سيحقق بها أحلامه، أخبره رئيس النادي آنذاك أنه: “قليل الخبرة، وصغير الجسد؛ ولذلك فهم ليسوا في حاجة إليه”، لكنه لم يستسلم كما كان متوقعًا له أن يفعل، وكما يسير السيناريو مع أمثاله دائما.

واستمرت مجهوداته ضمن الدائرة الصغيرة التي يلعب بها إلى أن أقتنصه (بازل) السويسري، والتي كانت بالنسبة له ضربة حظ واستحقاق في آن واحد، استمر على إثرها في التنقل من (تشيلسي) إلى (روما) حتى وصل إلى (ليڤربول) محطته الحالية، والتي جاءت إليه محملة بكل ثمار مجهوداته السابقة، وحققت له الجماهيرية والنجاح العظيمين.

وعلاوة على ذلك فإننا -كل مرة تقع فيها عليه عيوننا- نرى فيه ذلك “المعاند الكبير” الذي لا يستسلم أبدًا، والذي لم يكتف بكل ما حققه، ولا يزال يرسم على وجوهنا ملامح هدف جديد كل مرة يلمس فيها الكرة.

إن شغفنا بهذا الرياضي الكبير ليس متعلقًا بحبنا لكرة القدم بشكل خاص، بقدر ما هو متعلق بأن شخصًا ما استطاع كسر سيناريو التوقعات ذات مرة، ووقف أمامنا إمامًا قائلًا: “تجري الرياح كما تجري سفينتنا نحن الرياح ونحن البحر والسفن” لتستطيع هذه التمتمات أن تخترق صدر كل مجاهد للحياة؛ وترسم في عينيه نور الأمل بالانتقال في حياته -كناية- من “المقاولون العرب” إلى (ليفربول).