إعدادي هندسة.. نفق مظلم من أولها!

المهندس -الذى لطالما ارتبط بالإعجاز- يحول الأفكار والفرضيات إلى واقع ملموس محققًا مبدأ الإنسان الحقيقى لـ(ابن سينا).



المهندس الذي لطالما ارتبط بالإعجاز، يحول الأفكار والفرضيات إلى واقع ملموس؛ محققاً مبدأ الإنسان الحقيقي لـ “ابن سينا”. لكن ماذا عن “إعدادي هندسة”؟ أتظن أن الوضع سيظل بهذا القدر من الإعجاز والقدرة؟ فتعتبر هذه السنة أولى المصعاب التى يواجهها المهندس بل وأشدها. من المعتاد في معتقادات البشر أن “من جد وجد ومن زرع حصد”، لكن إعدادي هندسة لا تعترف بعرف البشر ولا بقوانين الحياة، فهي أشبه بمكان تنقلب فيه كل المعطيات وتتقاطع فيه المتوازيات، تدخل من بابها وتحسب أنك تهنأ وأنك في رغد وما هي إلا أيام وتجد الموت يأتيك من خلفك، أمامك، يمينك، ويسارك. فمعاناة طلاب إعدادي تبدأ مبكراً جداً؛ حيث تستهل المتاعب مشوارها بتلك التسمية، فحينما تُسأل أمام والدك -مثلاً- عن سنتك الدراسية فيجاوب والدك متباهياً “في أُولى هندسة” وما أن تدركه في كلامه قائلاً “إعدادي يا حاج”، حتى تنهال عليك العبارات الساخرة حول ماهية تلك السنة. ثم سرعان ما تجد نفسك محاط بالمعامل، الورش، صالات الرسم، ضغط طاقم التدريس، وسخرية الدفعات الأقدم.

لا تنتهي المتاعب هنا بل المتاعب تبدأ في الظهور بشكل حقيقي في أول “كويز” ومن ثم تتفاقم في أول “ميدتيرم” حتى يتحالف عقلك مع شيطانك ويبدآن في إقناعك بالابتعاد عن تلك الكلية ويحاولان تبرير ذلك قائلين “مالهم اللي في تجارة ما هم مرتاحين” بغض النظر عن حقيقة هذا الإدعاء ولكنه لطالما راود طلاب إعدادي، فمنهم من يتفوق و “يعدي صافي”، منهم من يثابر و “يعدي بمادتين”، منهم من يحقق أهداف الكلية و “يدبلر” ومنهم من يستمع لشيطانه ويغادر. ربما تتساءل عزيزي القارئ وما أصبر الطلاب على مثل ذلك عذاب؟ لكني في الحقيقة لا أملك إجابة دقيقة لذلك السؤال ربما تكمن تلك الإجابة في لقب “الباشمهندس” بالرغم من أن درجتك في “ميدتيرم الفيزياء” لا تتجاوز (2/20)، لكن ما أعلمه حق اليقين أن إعدادي هندسة تحمل الكثير من الجمال حيث يراها كل منا بمنظور ورؤية مختلفة. فمنا من يراها الحلم بل ويزيد ذلك أنه يتباهى بها، ومنا من يراها الأفضل حالياً-بصرف النظر عن أنها تشبع رغباته أم لا-، ومنا من قدم على ذلك القرار بتأثير خارجي -كالوالدين مثلاً-. لا ينتهي التناقض هنا بل يزداد ليصل إلى أبعد من ذلك؛ فتتعدد أرآء الطلاب حول ذات السنة، ذات المناهج، ذات “الدكاترة”، بل ذات البناء.

فهناك الطالب “الدرامي” يقول “ممكن يكون دخولي هندسة أصعب قرار في حياتي”، آخر “مفرهد” يقول “أنا خلاص كنت بقول هرتاح لحد ما اتفاجئت بالرسم الهندسي”، أمّا “المدبلر” فكان له رأي آخر “أنا خدت الثانوية في سنتين آخد إعدادي في سنتين”، آخر “ثائر” علّق أن الإخفاق بسبب “الدكاترة” كما أن منظومة الإدارة لها الكثير من القرارات الخاطئة.

ثم يأتي “المتفائل” أخيراً ليقول “النظام الجامعي أفضل بكتير من مرحلة الثانوية وإعدادي سنة سهلة وجميلة وإحنا اللي اتأخرنا على ما استوعبنا الوضع” ولن ننسى “الطالب العميق” حيث يرد “أن صعوبتها تقتل فيك غرور المهندس وبتحيي فيك الصبر في مبدأ التعويض في الترم التاني” هذه بعض الآراء قد يكون فيها الصحيح وفيها الخاطئ، قد يكون فيها الواقعي، وقد يكون فيها المتحامل، ولكن التناقض حول شيء يزيده جمالاً؛ فربما يجد البعض أن أهم مرحلة في “كلية الهندسة” هي “سنة البكالوريوس”، ولكني أؤمن بأن “إعدادي هندسة” هي أهم سنة دراسية في مراحل الدراسة الهندسية، والآن ماذا عنك أنت؟ ماذا ترى؟

كتابة: محمد الكافوري.