سيمفونية الآباء

أعدت ترتيب أفكاري من جديد عن المواجهة التي عادة ما تحدث بين جيلين أحدهما يكمن بداخله معنى الحرية في أن يخرج كل يوم يبحث عن قوت يومه حتى يعود سالمًا سائرًا جوار الحائط، وإن



من الواضح جدًا أننا نعيش -الآن- فترة تتشبث بدور خيوط العنكبوت وتصر أن تربط تفاصيل ما بين السياسة وما بداخل الشوارع والبيوت المصرية، ولكني أعتقد أن سيمفونية الآباء هي من تحتل المركز الأول. مع اقتراب الانتخابات الرئاسية التى تقابل فى طريقها الذكرى السابعة للثورة الشبابية المصرية (25) يناير، كنت أتمتم لنفسى بأني سوف أنتخب المرشح الفلاني، أنها ستكون السنة الأولى للمشاركة السياسية الإيجابية بالنسبة لي، وأن الذي وقع عليه اختياري ربما يكون الأمل لتحقيق ما هدفت له “ثورة يناير”، ونصت عليه لهاث الأنفاس طوال السنوات الماضية، حتى تتدخل مقاطعة أبي الذي لطالما تعمدت الحديث خلفه -خاصة- في الموضوعات السياسية البحتة، رغم أني أعلم جيدًا ما قام بتربيتنا عليه من الشجاعة، الديموقراطية وحرية الرأي؛ إلا أن رأيه جاء ليستأثر حيرتي؛ فتأكدت لي فكرتي المضطربة عن الحرية، حينما حمل حديثه إنذارًا غير مسبوق بأن امتنع تمامًا عن إلقاء أي رأي سياسي هكذا على وسائل التواصل الاجتماعي؛ نظرًا لأجهزة المراقبة العاملة ومايحدث لأغلبية النشطاء السياسيين والشباب، كما وصف رأيي عما يحدث على الساحة بالتطرف؛ لأن المعارضة في الوقت الحالي ضررًا لمصلحة بلادنا على حد تعبيره الخاص.
لا أستطيع أبدًا إنكار أن بعض الخوف قد تسلل داخلي بعد هذه المناقشة مما جعلني أرجع خطوتين للوراء أفكر قليلًا بأن الحاضر مجهول فلا داعي لمعاقبة المستقبل أيضًا، فقررت الصوم فترة عن متابعة الأحداث أو حتى مجرد المشاركة فيها بهذيان.
أعدت ترتيب أفكاري من جديد عن المواجهة التي عادة ما تحدث بين جيلين أحدهما يكمن بداخله معنى الحرية في أن يخرج كل يوم يبحث عن قوت يومه حتى يعود سالمًا سائرًا جوار الحائط، وإن هداه القدر يومًا الوصول لا يمد يده إلا لمن يلقى إليه من فضلات النعمة راضيًا، شاكرًا وسعيدًا.
أما الجيل الآخر فقد ولد مع تطور التكنولوجيا واستحداث الأفكار؛ فأخذ زمام الأمر بيده وبدأ يدير كل شيء بالأزرار والأقمار الصناعية؛ فخُيل إليه أنه المهيمن بإلقاء الأوامر، الشرائع، العادات والأعراف قادرًا على سلخ الحرية والإنسانية من أفواه الطغاة، ومهما طال الزمان فهناك يوم قادم يستحث فيه الحق للوثوب كما حدث فى جميع الثورات المصرية على مر العصور، ربما هذا هو الفرق بين الأب والابن، بين الجد والحفيد، وليس كما يدعون بانحراف الأجيال الجديدة، فساد الأخلاق، انعدام المسؤلية وتفشي الفوضى والعبثية بينهم.
والحقيقة لا أعلم كيف يدعونا آباؤنا إلى الصمت والرضوخ للواقع خوفًا علينا!، هل عقاب الحكام على الحرية سيكون أخطر من أن يعيش كلانا حياة مادية صرفة حتى ننفصم تمامًا إلى لحظات، حالات، نزوات لا رباط بينها سوى استهداف اللذة؟!
لا تحيا البلاد إلا بإحياء شعوبها ولا تحيا الشعوب إلا بالحق والحرية، فما المانع من إبداء الرأي دون تطاول، وإذا كان الرأى لا يتفق مع مصلحة البلاد كما ورد في دستور الحجج؛ فهذا يستوجب الاعتناء بأساليب التوعية للشباب والسعي لترسيخ المفاهيم الصحيحة لديهم بالعلم والحكمة ليس بالترهيب والتعذيب.
نحن في أشد الحاجة لأجيال فعالة، نبحث عن شباب محب للوطن متشبث به لا كارهًا له أو حاقدًا على غيره أو راغبًا في هجرته، ولا يتحقق ذلك إلا ببناء قاعدة جديدة أساسها المشاركة، تحوي أساليب تشمل كل الآراء، تستفيد من العقول المنيرة وتهمش الساقط منها إلى حيث تعيد ترميمه، أعلم أن هناك من نادى بذلك كثيرًا حتى أصبحت أقصوصة خرافية تُروى هنا وهناك، لكن أعتقد أن لدينا الكثير من الوقت؛ فنحن على أشراف عهد جديد يستلزم تفتيت كل نماذج التهتك والعمل بمقولة “غاندي” الشهيرة:- “لم أكن أرغب بتعلم الشطرنج لسبب لم يفهمه أصدقائي سابقا؛ وهو أنى لا أريد أن أقتل جيشي، جنودي وكل ما على أرض الشطرنج كي يحيا الملك”.