الواقع الخيالي

ذلك الواقع الخيالي الذي فرض نفسه كجزء من الحياة اليومية يعيش ويتعايش بداخلها هي فقط...



كانت تعيش في عالمها الخاص، تتجنب الجميع ولا تستطيع أن تحاورهم، ولكنها كانت تحاور من هم بدنياها… أناس صورهم وحي خيالها يهونون عليها وحدتها… ذلك الواقع الخيالي الذي فرض نفسه كجزء من الحياة اليومية يعيش ويتعايش بداخلها هي فقط… كانت كالأطفال في نقاء القلب، بداخلها صفحة بيضاء لم يمش على سطورها حبر قط… تراها عيناك؛ تُرسم البسمة على شفتيك وتملأ الطمأنينة قلبك… لم تنظر إليها مقلة إلا وشعرت بالارتياح لبراءة وجهها ونقاء قلبها… ولكن أحدهم لم يكن راضيًا عن ذلك الانعزال الذي يجعلها في غياب تام عن واقعنا الذي يملأه البشر والأحداث، والحياة اليومية التي هي واقع الواقع… فقرر الأخذ بيدها إلى أن تكون جزءًا من واقعنا وحياتنا كأناس خُلقنا للعيش سويًا دون تفسير كيفية العيش، لأنه من المعروف أن عالمنا ليس بتلك المثالية التي تعيشها هي بخيالها، فبرغم أننا نطمح للحياة الهادئة إلا أننا نميل إلى الصراعات بطبيعة البشر، والتي هي بالتأكيد من العوامل الأساسية التي ستواجه ذلك الشخص الذي قرر مساعدتها أثناء خوضه التجربة… ولكنه عقد النية على أنه سيؤدي رسالته تجاهها بصفته شخصًا مسئولًا عن مثل هذه الحالات من البشر. أخذ بيديها من البداية وكأنها رضيعة تتعرف على ذاتها وتكتشف ما حولها تدريجيًا، إلى أن تغيرت الطفلة التي يملأ المرح قلبها وتتجول السعادة في كل أرجائها؛ بدأت تتعلق بالواقع الحقيقي منفصلة جزئيًا عن عالمها القديم الذي كان قد استحوذ عليها تمامًا… ومن هنا تدريجيًا بدأ التطور، حيث أصبحت الطفلة فتاة في منتصف العمر قد انعزلت انعزالًا كليًا عن العالم الافتراضي الذي كانت تفاصيله من صنع الخيال، وتعلقت بالواقع الذي نعيشه بفضل هذا الذي قرر خوض التجربة وعزم على الانتصار ونجح حقًا في نقل إنسانة من واقع افتراضي عقيم لا يحوي أي تفاصيل، إلى واقع فيه الناس يعامل كل منهم الأخر، تتخلله تفاصيل التفاصيل. وباءت المحاولة بالنجاح الغير متوقع… لتكون المشكلة الأساسية التي ستعوق ذلك الذي خاض التجربة وتلك الجميلة التي عاصرت الواقع هي الصراعات… كعادة كل البشر بلا استثناء. ولصراعاتهم أنواع: صراع المال -والذي هو أخطر الصراعات-، صراع السلطة، صراع النفوذ، وصراعٌ من أجل الصراع لا لسببٍ أخر… والصادم هو أن الصراع يتغلغل في أقوى العلاقات بين البشر ليدمرها تدميرًا ساحقًا… وليبقي السؤال، من سينتصر؟ فكانت الاجابة غير صادمة بالنسبة للأغلبية، فبالرغم من أن تلك الفتاة التي انتقلت من حياة لأخرى في غاية السعادة والتفاؤل والأمل، إلا أنها استاءت من البشر؛ استاءت من تعاملاتهم، استاءت من المال، استاءت من النفوذ، واستاءت من العيش وسط بشر كلٌ منهم يصارع الآخر لسبب منهم أو لأجل الصراع. كرهت الفتاة ذاك الواقع المرير وسئمت العيش فيه، وعلى غير المتوقع وبرغم المجهود الذي بذله هذا الشخص، إلا أنها تلقائيًا وجدت نفسها مرة أخرى في عالمها القديم، ذلك الواقع الخيالي الذي صورته في خيالها ليعود الوضع إلى ما كان عليه.