هل اعتدنا بلطجة الفكر الصهيوني؟

الحقيقة لم يفوت العرب أي وسيلة ممكنة للتعبير عن ثورة الغضب التي خلفها خطاب "ترامب" في نفوسهم، ولم يملكوا أيضًا إلا أن يعبروا عنها علي مواقع التواصل الاجتماعي أو في حشود متفرقة في مدن



ربما لأنها مدينة الصلاة، ربما للأهمية التاريخية الذي يحملها كل شارع من شوارعها، ربما لأنها مقدسة إلي الحد الذي جعلها محرابًا لكل الديانات السماوية، وربما لأنها مِلك لنا وأول القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، أو ربما لأنها ستؤمن للغزاة الخلود ولن يضطروا بعدها الخوف من الذكريات!
بالطبع ستكون الإجابات كثيرةً إذا ما خانتنا ضمائرنا للحظة وتساءلنا عن أهمية ما نفعله إذ لم تخرج حكوماتنا بعد لتقدم الرفض القاطع بشأن القدس، واعتقدنا أنه لا جدوى من الدعوات المتباعدة التي تنطلق هنا وهناك وقررنا بعد يومين أو ثلاثة أو أسبوع التوقف عن المطالبة ببطلان القرار الأخرق الذي انطلق منذ أيام، والذي نص فيه “ترامب”:- “أن بلاده ستقوم بنقل سفارتها في تل أبيب إلى “القدس”؛ لتصبح هي عاصمة لإسرائيل بدلا من تل أبيب..”
الحقيقة لم يفوت العرب أي وسيلة ممكنة للتعبير عن ثورة الغضب التي خلفها خطاب “ترامب” في نفوسهم، ولم يملكوا أيضًا إلا أن يعبروا عنها علي مواقع التواصل الاجتماعي أو في حشود متفرقة في مدن مختلفة، لكن ورغم ذلك فإنا جميعًا مازلنا نعلم أن القرار لن يبطل بهذه الطريقة وأنه يحتاج إلى ما هو أكبر من ذلك.
فهذه هي السياسة التي تلعبها معنا إسرائيل كل مرة ومنذ نشأتها والتي باتت بالنسبة إلينا مسرحية سخيفة مكررة، يحدث في بدايتها أن يخرج “من لا يملك” ليلقي خطابًا كي يعطي “من لا يستحق”، ثم نسمع صوت الصمت لحكام العرب وهو يغزوهم، وصوت الهتافات العالية للغاضبين في المدن، ومع انتصاف المسرحية ووصولها للذروة يعقد مجلس الأمن اجتماعًا، وتدار المناقشات الجادة في الجامعة العربية، ويخرج حكامًا وأناسًا من دول العالم ليتضامنوا مع حقوق الشعب الفلسطيني ثم ومع الاقتراب من نقطة النهاية نراقب ثورة الغضب للثائرين وهي تخفت وتخفت، والمشاورات الجادة في الجامعة العربية لا تفعل إلا أن تدين بشدة كما يدين من خرجوا في الشوارع لا يملكون غير التعبير عن الرفض، ومجلس الأمن ينتهي على حياد، وحكام العرب لا زالوا صامتين يأخذون الحذر -في حين أن ما يستحق الحذر والخوف يسرق من جهة أخرى- ثم تصل المسرحية إلى النهاية وأهم ما يميز النهاية هو الصمت، حيث تسليم الذين ثاروا أنه أمر واقع وأن الله قد وعدنا أن الأرض سترد إلينا عاجلًا أم آجلًا فما علينا إذًا إلا أن نجلس ونشاهد ما سيحدث وننتظر.
كان هناك حوار تليفزيوني بعد إحراق “القدس” في الـ(21) من أغسطس للعام (1969) ظهرت فيه رئيسة وزراء إسرائيل “جولدا مائير” يصاحب وجهها برود معتاد، وعندما سألت عن إحراق القدس قالت:- “لم أنم طيلة الليل، كنت خائفة، توقعت أن العرب سيأتون نازحين من كل حدب وصوب نحو إسرائيل وعندما بزغ الصباح أدركت أننا بإمكاننا فعل أي شيء نريده فنحن أمام أمة نائمة”، وعندما خرج “ترامب” ليقرر بأريحية أن “القدس” ستكون عاصمة إسرائيل، قال أيضا:- “أن هذا القرار أجل كثيرًا من قبل الرؤساء الذين سبقوه وأنه يعلم أنه سيكون هناك غضب وستكون هناك زوبعة لكنها ستمر” وبالفعل صح ما توقعوه تجاهنا، فلو تخيلنا إمكانية حدوث ذلك مع مقدسات ديانة أخرى لانقلب العالم رأسًا علي عقب. “ترامب” لم يكن متساهلًا في قراره ذاك إلا لأنه يعلم السهولة التي ستتعاطى بها حكوماتنا معه، وهو الأمر الذي حدث ويحدث ويجعل أسئلة كثيرة تلوح في أذهاننا؛ “لماذا يظل الصمت يسود مشهد الحكام العرب؟”
ولو وجدت إجابة مقنعة فهل لأنهم فضلوا حمى الاقتصاد على حمى الأرض؟
وهل وظيفتهم الأولى هي حمى الاقتصاد أم حمى الأرض وكرامة الشعب؟
نحن بالرغم من كل ما يحدث نعلم أنهم عابرون وأن كل هذه الأفعال ما هي إلا محاولات غابرة لخداع التاريخ، فـ”القدس” هي زهرة مدائننا وقضيتنا الأولى وإن كانت بوصلة حكامنا لا تشير إليها فذلك لأنها كاذبة، أما نحن فإننا قد قرأنا من التاريخ ما يكفي حتى ندرك أن السماء لا تكون كريمة إلا مع من يتمسكون بحقوقهم ولذلك فإن بوصلتنا وأعيننا وأحلامنا وأقلامنا ستظل موجهة دائمًا نحو “القدس”.