خدوا عمري لبلادي هدية!

لا يمكنني أن أمنح الوطن "عمري هدية" كما تقول الأغنية لأني أعطيه إياه بالفعل وبالطريقة الأصعب وهي الحياة فيه والعمل له وليس الموت ولا أسأل مقابلاً، فقط أسأل أن يكون المقابل ليس سيئاً!



“أن تموت فينقطع كل سبيل بينك وبين حلمك، وبينك وبين أحبتك؟ أم تحيا وتمر السنة تلو أختها ولا تجد بينك وببن حلمك إلا متاهة لا نهاية لها تركض قدر ما استطعت وفي كل اتجاه إذا قدرت ولا تقترب خطوة منه بل ربما تبتعد، وبينما أنت منهك، ستقبض على أنفاسك أول شعرة بيضاء ثم تخنقها أكثر الثانية فالثالثة، وفجأة تشعر بثقل قدميك وتعب قلبك فتهدأ ثم تهدأ ثم تخمد وتخر راكعاً؟”.

لا تبدو الإجابة بتلك الصعوبة خاصة إذا ما كان الموت لمعنى عظيم كالوطن بأي صورة تمثل لك فيها.

جدك مات بأكتوبر، وجد جدك بثورة (1919) ومن قبلهم ومن بينهم ومعهم مات أجداد الكثيرين منّا لأجل ذلك المعنى حين تمثل لهم في بلدهم مصر أو حريتهم كما تمثل لمن فقدوا أرواحهم بثورة “يناير” ممن رأوا في الحرية وطنًا اشتاقوا لدفئه الذي لم يشعروا به يومًا.

لكن أقاربهم أو اللصوص عامة لم يتركوا الأمر يمر هكذا فسرقوا هذه الأرواح والبطولات كأنما هي أرواحهم هم وبطولاتهم هم؛ فإذا ما اعترضت الآن لأجابك مذيع “لا يعلم الألف من كوز الذرة”: “أين أنت ممن بذلوا أرواحهم لأجل الوطن؟، أين أنت من شهداء كذا وكذا؟، أو “يشخط” فيك عمك قائلاً: “لم تكن أنت ولدت بعد ونحن كنا على الدبابة والمدفع نحن أكثر حبًا للوطن وأحق منك بالاعتراض إذا كان هناك ما يستحق الاعتراض…فنحن ضحينا لكن ماذا فعلت أنت؟”.

حسنًا، لنوقف هذا الهراء والخطب الكاذبة قليلاً ونضعها على الرف القديم مع أصحابها الذين ركنوا عقولهم على نفس الرف حتى أصبح التراب لا يغطيها فقط بل تشرَّبته كأنها التربة وهو الماء. أتحب أن أخبرك حقا من ضحى ومن أحق بالاعتراض إذا أردت خوض هذا الجدال العقيم؟

إن من ضحى هو أنا…أنا وكل شاب وكل ذا حلم أعطى وطنه عمره كاملاً بلا أي مقابل سوى الإهانة، والتعذيب، والسجن، والإحباط والمرض النفسي…منحته عمري كاملًا في تعليم فاشل يرفض التطور رغم أن القائمين عليه أنفسهم معترفين بتخلفه ولا جدواه، وهبته عمري في المواصلات السيئة، والزحام، وارتفاع الأسعار بشكل جنوني وتدهور الحال لحظة بعد لحظة.

أنا من سأم الاستغاثة بمسؤولين صُمّت آذانهم، وعمت قلوبهم وشلت أيديهم؛ ليوفروا لي الدواء للأمراض التي ملأتني بها الحياة الملوثة على أرض الوطن، بداية من الماء والهواء وحتى الإهمال في المشافي ذاتها.

من قضى عمره يركض نحو حلم كالسراب كلما اقترب اكتشف ابتعاده ألف خطوة لا لشيء سوى للوساطة التي طفح بها الوطن على أيدي الكسالى ومعدومي الخبرة والكفاءة ولا لشيء سوى للرشاوي التي لا أستطيع حتى دفعها إن أردت سلوك ذاك الطريق، ولا لشيء سوى أني اخترت تلك الصفة: “شريف”، ذو مبادئ في وطن يعيِّنون فيه البنات بأي مسمى بينما الاسم الحقيقي هو تلك الفرصة في التحرش التي يرونها فيهن، بدءاً من العمل في محل أو كشك وحتى العمل في الفن وكأنهم يرفعون شعاراً خفياً: “نؤيد عمل المرأة ما دام يمتعنا”.

من ضحى حقًا هو من قضى سنوات شبابه مسجونًا بلا خطأ واحد صغير حتى، أو يقضيها -سنوات شبابه- خائفاً من أن يُسجن اللحظة التالية في لعبة الاختيار العشوائي لمن يحسبون أنهم يحسنون صنعاً أو حتى لا يهمهم إن لم يكونوا يحسنون. من يهب طاقته وروحه وعقله وعمره كل يوم.

فلا يمكنني أن أمنح الوطن “عمري هدية” كما تقول الأغنية لأني أعطيه إياه بالفعل وبالطريقة الأصعب وهي الحياة فيه والعمل له وليس الموت ولا أسأل مقابلاً، فقط أسأل أن يكون المقابل ليس سيئاً!

فلا تدعوهم يكملون شعاراتهم الزائفة بأنهم أكثر وطنية، وأكثر تضحية وأحق منكم بالوطن، بل نحن أيضاً من حقنا، وإذا كان شرطهم التضحية فإنها فعلنا اليومي المؤكد.