حين تتعلم الأسماك الطيران

لو بنينا المدارس، وأعددنا المعلمين، وقررنا أن نفتتح مدرسة لتعليم الأسماك علم الطيران، ثم تركناها بعد التخرج لتعيش وتعمل في عالم البحار! فلا جدوى مما فعلناه. هكذا هو حال تعليم الفتيات في مصر.



البنت هي تلك البسمة الصغيرة التي تملأ البيت، تزهر أوراقها -هنا وهناك- في أنحائه، فيفوح به عطر البهجة، ويعمه نسيم الرقة. ‎ كل منا يسلم بحقيقة جمال خلق الله للكون في كل تفاصيله، والبنت هي أحد تلك التفاصيل الجميلة التي رزق الله بها هذا الكون. ثم ‎زاد في تكريمها، فكانت الأم وكان حبها هو الأول في قلوب كل البشر. ‎لكن… ‎توقفت الكثير من المقالات والأبحاث والأديان لتكمل ما بعد كلمة “لكن “، لم يتوقفوا بنفس الشكل ولا بنفس المضمون، ولا حتي لنفس الهدف، فلنحاول معًا أن نختار ونبتكر وقفتنا الخاصة. ‎ماذا فعلنا في تلك النعمة التي رزقنا بها الله؟ ‎وهل أعطيناها التغذية العقلية والروحية التي تحتاجها في مراحلها الاولي؟ ‎فكما قال الشاعر: ‎”الأُمُّ رَوضٌ إِذَا تَعَّهَّدَهُ الحَيَا * بِالرَّيِّ أَورَقَ أَيَّمَا إِيرَاقِ ‎الأُمُّ أُستَاذُ الأَسَاتِذَةِ الأُولَى * شَغَلَت مَآثِرُهُنَّ مَدَى الآفَاقِ”. ‎

لم تنسَ بلادنا أهمية العلم للفتاة. لقد قدمت كل ما عندها من قدرات؛ كي تتم عملية تعليمها على أكمل وجه. لكنها أغفلت أهم جانب -مع الأسف-، وهو الهدف من العلم؟ ولمن يوجه هذا العلم؟ ‎فكما تعلمون أنه لو بنينا المدارس، وأعددنا المعلمين، وقررنا أن نفتتح مدرسة لتعليم الأسماك علم الطيران، ثم تركناها بعد التخرج لتعيش وتعمل في عالم البحار! فلا جدوى مما فعلناه. هكذا هو حال تعليم الفتيات في مصر.

بالتأكيد لا أنفي أهمية علم الطيران، لكن أيضا ليس هو الأولوية القصوى في رحلة تعلم الأسماك حتى لا تتعلم سواه! ‎نخرج من تلك القصة البسيطة بأهمية تحديد المتعلم في قضيتنا، وهي الفتاة بالطبع. ‎نسير خلال طريقنا في التعليم خمسة عشر عامًا، لنجد أننا تعلمنا فيهم الرياضيات، واللغة العربية والفيزياء والكيمياء، والتحقنا بالجامعة فدرسنا الهندسة، أو التجارة، أو الطب.. إلى آخره، ‎فلا نجد أي مادة تتحدث عن التكوين النفسي والعقلي للمرأة، أو عن تنمية مواهبها في الرسم والكتابة والاعمال اليدوية، وغيرها من الأمور التي ترقى بنفسها، وتساعدها على الاستمتاع بحياتها، أو عن علم التربية وعلم إدارة المنزل.

تلك العلوم التي ستبني عليها حياتها فيما بعد.. ‎وبهذه المعلومات نريد من البنت أن تفهم ذاتها، ثم تدرك قضيتها، وتتعامل بنجاح مع مجتمعها دون أن تشعر بالظلم، ودون أن تظلم غيرها، وأن تفهم كيف تعبر عما بداخلها من حب، وتتعامل مع أبنائها وزوجها بشكل صحيح، أو كيف تتعامل مع التكنولوجيا والانفتاح العالمي، والتطور السريع في العالم كله؛ فتستطيع حماية نفسها وأسرتها دون أن تنعزل عن العالم أيضًا. ‎بالطبع الفرق شاسع ما بين المعطي وما بين المطلوب من العلم في هذه الحالة. ‎

لا أنكر أهمية هذه العلوم التي درسناها طوال الخمسة عشر عامًا، لكن من المحزن أنه ليس من بينها أي مما قد تحتاجه الفتاة في حياتها الشخصية والأسرية، وللأسف ولا حتى ما ستحتاجه في سوق العمل. ‎ونتيجة لذلك تزايدت المشكلات الاسرية والمجتمعية، كتدني الأخلاق، وتدني الوعي والضمير الجمعي لمجتمعنا. وإذ بالفتاة تتلقفها الأمواج يمينًا ويسارًا، فمرةً تعتنق فكر هذا، ومرة تعتنق فكر ذاك، ومرة أخرى لا تعتنق فكر أحد على الإطلاق، ولن تنجو من تلك الأمواج إلا إذا اعتنقت فكر البحث والنقد ولجأت إلى الله وتعلمت بنفسها كل ما يثري جوانب حياتها، دون أن تنتظر أن تأتيها المعلومة جاهزة. وإلى حد ما أصبح الإنترنت وسيلة مهمة ومتوفرة أمام الشباب -اذا احسنوا استغلالها- للبحث والمعرفة في مجالات علم النفس والتربية، وغيرها من المجالات التي لم تجدها الفتاة خلال دراستها، وأحيانا لاتتعلمها حتى داخل بيتها.

ولندع الله لها؛ فإنها إذا نجت من تلك الأمواج، لن تنجو بمفردها، بل ستنجو معها أمة كاملة.