محمد جلال يكتب: “لِمَ وصلنا إلى هذا؟”

والعجب أن كل هؤلاء الآباء متأكد أنه يفعل الصالح من أجل أبنائه، ولكن تختلف النتيجة باختلاف البيئة التي أنتجت هذه الثقافة.



(١)
انتفض من بين أفكاره فزعًا على هذا الصراخ من تألم طفل صغير، يصاحبه صوت خفيف يشبه صوت سقوط عصى على جسد، يليه نوبة عالية من الصراخ لا يقطعها سوى هذا الصوت؛ لتعود أشد من ذي قبل .

(٢)
ضحكة صادقة من صِغَرها وكأن القلب هو مصدرها فهي تشبه تغريد العصافير المتمثلة في هذا الملاك الضاحك، مودعة والدها بضحكة بريئة، وذاهبة إلى فصلها في فرح بالغ مستقبلة يوم جديد، تكفي ضحكتها لتحيله إلى يوم جميل.

(٣)
إلحاح طفل على اختيار ما سيكون له وإشارته إلى هذا وإلى ذلك في فرح بالغ، وكأنه أخيرًا سيَملك الدنيا، فقط بامتلاكه لما يشير إليه. تحوّلت تلك اللمعة في عينه إلى حزن عندما أصابته تلك النظرة من والده التي تبعتها كلمت “اسكت”، ليستحيل فرحه المؤقت إلى حزن، ولا يعرف ماذا فعل!

(٤)
أصابته رهبة صغيرة عندما طلب والده رأيه في تلك الملابس التي سيرتديها. زالت تلك الرهبة سريعًا عندما بدأ بمفاضلة داخل رأسه الصغير ليختار هذا ويرفض ذلك، وإذا بهذا الموقف يستحيل فرحًا لأنه لأول مرة سيرتدي ما اختاره هو.

مواقف قد تمر بالكثير منا يفعلها من مفترض أنهم آباء يُنشؤون جيل جديد سيُكمل ما بدؤه. يظن بعضهم أن ما يفعلونه الآن لن يؤثر على هذه الأحداث بشي، ولكن هيهات، فما يأخذه الطفل من انطباع في أعوامه الأولى هو ما يؤثر عليه باقي حياته.
والعجب كل العجب أن كلاً من هؤلاء الآباء متأكد أنه يفعل الصالح من أجل أبنائه، ولكن تختلف النتيجة باختلاف البيئة والثقافة كما رأينا سابقًا.
ففي الموقف الأول: اختار الأب أيسر الطرق بالنسبة إليه لإجبار طفله على فعل ما يراه صحيحًا، فتحمّل الطفل نتيجة عجز والده عن إفهامه لما عليه فعل هذا الأمر! فكانت النتيجة أن كَره الطفل هذا الفعل، وكره الأب، ازداد عنفًا، وقلّت ثقته بنفسه.
الموقف الثاني: نزل الأب إلى مستوى طفلته في التفكير، فقط ليجعلها تفعل الصواب بإرادتها، دون إجبار منه، فتفعله بفرح وحب وتقوى شخصيتها. شتّان بين ما زرعه هذا الأب وما زرعه الآخر.
الموقف الثالث: ربما كان هذا الطفل حكيم، متمرس ولديه الكثير ليعبر عنه، ولكن بسبب نظرة المجتمع القاصرة على الكبار، ربّما قتل بداخله شخص كان ليغير العالم يومًا.
الموقف الرابع: ربما لم ليكن ليخرج من عزلته وسيظل صامت، ولكن فقط رد الفعل هذا هو الذي بدأ في تغيّر تلك الشخصية إلى شخصية راشدة.
ألا يعلم آباء اليوم أن الذكاء العاطفي يتكون في سنوات الطفل الأولى؟! وما فُقد من قدراته يصعب إدراكه؟ فهو يساهم بأكثر من (80%) من تحديد احتمالية نجاح الفرد أو فشله في الحياة، في حين أن الذكاء التقليدي يساهم بأقل من (20%) فقط.
يقول أحد العاملين في مجال التربية، أن ما يفعله الآباء اليوم هو فقط تشويه لتك الفطرة السليمة التي فطر الأطفال عليها.
ألا يعرفون كيف يحافظون على تلك الفطرة؟ علم النفس يقول: “أعطني اهتمامًا وعناية في الخمس سنوات الأولى من حياة الطفل؛ أُعطِك إنسانًا ناضجًا في المستقبل”.
فيا آباء المستقبل، تعلّموا أولاً كيف تكونوا آباءًا قبل أن تقبلوا على الزواج.