أحمد الدعوشي يكتب:-“طاحونة الواقع الجامعي”

انصرفت بوقتي إلى النشاط وأغفلت الدراسة، الأمر الذي لم ترحمه الدراسة ولم تغفره؛ فأمطرتني بوابل من رصاص "الكويزات" وقنابل "الميد تيرم" وحروب كر وفر ليالي الامتحان؛ لتفاجئني بموقعة "الفاينال"

طاحونة الواقع الجامعي

في تلك الأوقات من العام التي تظهر فيها النتيجة الدراسية، إنها الصدمة! لم تكن أحلامي الوردية وأفراحي لتنجو من طاحونة الواقع، أغمضت منذ فترة عينًا برهة لتوقظني الحياة ويكأن عُمرًا قد مر معلنة اقتراب امتحانات نهاية العام.

“الامتحانات على الأبواب” جملة شهيرة أطلقتها أمي قبل ذلك بفترة، أغفلتُ عن سماعها وقتها، لكنَّها دوَّت في أُذني بقوة عندما اقتربت الامتحانات. أخذتني الأوقات بالانشغال خلال العام، كنت قد اشتركت بأحد الأنشطة التطوعية بالجامعة وانخرطت في قضاء مستلزمات وأهداف هذا النشاط، الأمر الذي أحببته بشده لم أدري لماذا حينها، لكن بعد تفكير مُتَرَوٍّ استحضرت الإجابة جلّية واضحة.

وللتدليل على ذلك دعونا نطرح تساؤلًا: لماذا مثلًا نقوم بتشجيع أحد الفرق الرياضية ونتحمس لذلك؟

الأمر بسيط، تشجعينا لفريق ما يكسبنا انتماء إليه وارتباط به ورؤيته يلعب؛ تحرك فينا هذا الانتماء بالرغبة في مشاهدته يفوز، وعندما يفوز نشعر نحن بذلك أيضًا، فيصيبنا شعور غامر بالسعادة وهي سعادة الإنجاز بالرغم من صراخ الواقع بأننا لن نطول شيء من ذلك؛ فالمجد، المال والإنجاز الحقيقي للاعبين، أمّا نحن فهذا الفائض الغامر بالسعادة من مجرد فكرة التشجيع فقط! فما الحال إذا أضفنا جزء المساهمة في الإنجاز إلى التشجيع؟ في الأنشطة التطوعية أنت لست فقط تشاهد الحدث بل أنت جزء منه، تسعى بالعمل من أجل هدف معين وتعمل على تحقيقة وسط رباط جميل من العلاقات الاجتماعية الهادئة البناءة، طلّاب من نفس العمر بنفس الحماس والنشاط يشاركونك لحظاتك وعملك يساندونك بلا مقابل، يتقبلونك معهم لتصبحون أصدقاء ثم شركاء نجاح، يأخذكم العمل معًا وتُجنوا ثمار ذلك سريعًا من نجاحات أنشطتكم بهذا الفريق التطوعي.

الأمر الذي يفتقده بشده معظم المواطنين وهو “الإنجاز” وتعوضه بعض الأشياء مثل الانتماء الرياضي أو الدرامي أو الانتماء الأقوى من بعض وجهات النظر في الأنشطة الطلابية! شيء جميل أليس كذلك! أين المشكلة إذًا، لما هناك حلقة مفقودة في الموضوع!! الأمر مر بك هنا فباستعراض الأحداث السابقة وبزيادة التدقيق؛ سنجد أنَّ النشاط الطلابي مُقترن منطقيًا بالجامعة: أي أنه يتم تأديته في فترة الدراسة إلا أنَّ شغفه يأخذنا فيجعلنا ننصرف بصورة ما عن الواجب الدراسي الذي لم يتشبث بنا في المقابل بشغف مماثل، ولن ننصرف بالحديث عن أسباب ذلك، بل لنكمل في هذة الصورة الواقعية.

المشهد من الأعلى: دائرة الحياة الجامعية، شاب بالمنتصف، مجموعة من المتنازاعات ذات “الأهداب” وكلها تصوب نحوك وتلقي بأهدابها إليك؛ فلماذا الدراسة ذات الأهداب الأهم، أقصر؟ لماذا؟! عندما نظرت إلى الأمر لأحدد المشكلة، لم أجد من النشاط الجامعي ضرر بل ذو فائدة عظيمة، من جهة أخرى الدراسة بطبيعة الحال هي جوهر الجامعة إلا أنني انصرفت بوقتي إلى النشاط وأغفلت الدراسة، الأمر الذي لم ترحمه الدراسة ولم تغفره؛ فأمطرتني بوابل من رصاص “الكويزات” وقنابل “الميد تيرم” وحروب كر وفر ليالي الامتحان؛ لتفاجئني بموقعة “الفاينال”.

ليخبرك ذلك كله أنه كان من الأفضل أن تأتي على نفسك مُغفلًا فكرة عدم وجود شغف دراسي وأن تترك النشاط لتعطي الدراسة حقها برغم الملل المُطْبق.

الأمر الذي ربما أقف أمامه متحيرًا ومستنكرًا، إلا أنه لم يشكل حيرة لدى بعض البشر في الأوطان الأخرى! تلك البلاد التي يشكل النشاط عندهم فكرة ووسيلة مهمة يُفسحوا أمامه الأوقات ويوازنوا مواعيده؛ لتتناسب مع الفترات الدراسية حتى لا يؤثر هذا على ذاك، حتى وصل الأمر لِجْعْل بعض الشركات تشترط كون المتقدم للعمل بوظائفها قد شارك في أعمال مجتمعية من قبل، وذلك بطبيعة الحال يفسر غموضه بالنسبة لنا أهمية تلك الأنشطة وفؤادها الكبيرة من دعم الأشخاص تعامليًا ومجتمعيًا، وزيادة قدراتهم الإدراكية وقدرات العمل في مجموعات مقابل العمل منفردً، بل والإنجاز في المجموعات.

لحظة لا تذهب إلى هناك بالأحلام، استفق أنت مازلت هنا لم تسافر إلى تلك البلاد بعد! لنتخيل مشهد آخر نريده أن يكون مشهدنا الواقعي: دائرة الحياة الجامعية، شاب بالمنتصف، مجموعة من المتكاملات ذات “الدعامات” وكلها تساعدك، تُلقي بحبالها إليك: حبال الدراسة موجودة ولكنها ليست طويلة! المجتمع يدعم النشاط، النشاط يدعمك ويزيد شغفك، الجامعة تدعمك في النشاط وتدعم المشاركة فيه بالتمييز في العلامات الدراسية على سبيل المثال، إذًا فالنشاط يدعمك لتدعم مذاكرتك في المقابل؛ فتحيا حياة جامعية هادئة مريحة بناءة. لتخرج فردًا سويًا للمجتمع الذي لا يُرْهَق في إعادة تسويتك على نحو أفضل لتمضي الحياة!

كتابة: أحمد الدعوشي.