إيمان كليلة تكتب :- “مائة عام من (يوه، عادي بقى يا لمبي)”

مع الوقت لقيت أنه مش بس (حمادة هلال) اللي بيقول أي كلام وخلاص، ولا شركة الإنتاج بتصرف ملايين على رخص، وأنّه البلد كلها ماشيه كدة.

مائة عام من " الله وأنا مالي يا لمبي "

وأنا في إعدادي طلع علينا فيلم (حلم العمر)، كسّر الدنيا وقتها، وكنت منبهرة بيه بقى ومستنية يتعرض في التليفزيون بفارغ الصبر، وإذ أخيرًا بدأت سرسبات الفيلم والمنتج نزَّل أغنية (ساعات)؛ فأنا بفرحتي بالحاجة اللي من أثر الفيلم دي بقيت بشوف الكليب فوق العشر مرات في اليوم.

وفي لحظة تأملية عميقة استوقفني كوبلية: “ساعات الدمع بيريح”، فقلت لنفسي: “الله! هو مش الدمع علطول بيريّح! أيه ساعات دي يا أوستاذ حمادة؟” وفضلت أكرر الكوبلية كده يمكن غلطانة، بس كل مرة بيطلع صح؛ وبدأ “الأوفر ثينكنج” وانتقداتي العقلية ورفضي للي بسمعه ومصرّة إني لازم أوصله اللَبس اللي حصل عنده دا “يا أوستاذ حمادة الدموع بتفرز مواد كيميائية بنسبة كفيلة تسبب لحضرتك الراحة ودا بيحصل دايمًا مش ساعات آه وساعات لأ”

ولم اكتفي بهذا القدر من التأملات، وقادتني تحليلاتي العظيمة أنه ربما أن (حمادة هلال) ميعرفش المعلومة الصحيحة ودا خلاني أخذت عليه مأخذ وهو أنه إزاي يطلع يقول كلام للناس وهو مش متأكد من المعلومة اللي بيقولها؟! ومن البداية إزاي كاتب الأغنية يكتب كلمة زي “ساعات” وهي غير دقيقة في المعني على الإطلاق؟!
المأخذ الثالث كان على الجمهور نفسه اللي أنا قسمته لفئتين: الفئة المثقفة -زي ما أطلقت عليها- إزاي يسكتوا على معلومة مغلوطة زي دي!، أمَّا الفئة اللي مش مثقفة؛ هم إزاي مش مثقفين وأيه رد فعلهم على معلومة زي إن الدموع “ساعااااات” بتريّح !

مع الوقت لقيت أنه مش بس (حمادة هلال) اللي بيقول أي كلام وخلاص، ولا شركة الإنتاج بتصرف ملايين على رخص، وأنّه البلد كلها ماشيه كده؛ فكان الحل آثرت السلامة وانعزلت عن عالم الميديا والتليفزيون لعدم جدواه بالنسبة لي، وعشان أحافظ على الجزء السليم من مخي …المآساة الكبرى إني لما كبرت وعديت العشرين اكتشفت إني مش بعدت عن التليفزيون ورسايله الخبيثة، لكني كنت اجتماعية جدًا جسديا منعزلة عن الواقع كله فكريًا.

افتكرت موقف حصلي في إعدادي بردو لما وقفت اسأل مدرسة العلوم سؤال في جزئية معينة وتوقعت منها تجاوبني إجابة شافية؛ لأنها هتبقى فرحانة بيّا أكيد عشان عايزة أتعلم وأعرف، وهنا نزلت عليا صاعقة من السماء لما سمعتها بترد على سؤالي: “هو أنتم كده يا مصريين؛ تيجوا عند الهايفة وتتصدروا”، وعرفت إننا أصبحنا شعب أعمق بكتير أوي من أنه يتصدر على هايفة علمية مغلوطة في أغنية، أو مبالغة سياسية اتقالت في برنامج ، أو شوية عنف في فيلم عبيط، أو مهرجان شعبي مش مفهوم منه إلا شوية إيحاءات ولا حتي رقاصة قررت تعمل برنامج ديني.

إنما الحقيقة المرّة هي إننا بقينا شعب عايش على تكبير الدماغ، عايزين نرّيح ضميرنا بأي شكل ونسكت بحجة أن الفساد أقوى. وعايشين في حوالي مائة عام من “يوه، عادي بقى يا لمبي”.

كتابة: إيمان كليلة.