“الحياة بعيون نولان”

"بوصولي لسن الحادية عشر علمتُ أنني أريد أن أكون مخرجاً سينمائياً"



“أخبرني رجل مرة أنه لو أعطى نفس السيناريو لخمسة مخرجين سنجد في النهاية خمسة أفلام مختلفة؛ أعتقد أن هذا الرجل على صواب”
(فينسنت مينيلا) السينما ما هي إلا مجموعة صور ولقطات تجد منها قصة تُحكى، مغزى وهدف يريد مخرج العمل أن يبُرزه للمشاهد؛ فالإخراج بشكل عام هو إدارة طاقم العمل لغرض تحويل النص المطبوع “السيناريو” إلى لقطات حية وذلك لخدمة فكرة ما أو هدف يريد المخرج توضيحه من السيناريو.
وبمرور الأعوام تغير فكر المخرجين بتغيير ثقافة المجتمع المحيط بهم فمخرجي الجيل القديم “الأبيض والأسود” كان تركيزهم على صناعة الأفلام الموسيقية وأفلام الرعب الكلاسيكية؛ لأن صناعتها كانت صعبة وممتعة في ذلك الوقت، لكن مع بداية السبعينات جاء جيل المخرجين الحديث، وهو الجيل الذي يعتمد على الدراما الاجتماعية القوية أمثال:(‏Frank Darabont) مخرج فيلم “The Shawshank Redamption”، (‏David Fincher) مخرج فيلم “Fight Club” و(Coen Brothers) مخرجي فيلم “No Country for old men”.

“بوصولي لسن الحادية عشر علمت حينها إنني أريد أن أكون مخرجًا سينمائيًا”

(كريستوفر نولان) والآن فلنتحدث عن واحد من مخرجي الجيل الحديث، استطاع أن يثبت نفسه بقوة في وقت قصير، التحق بكلية لندن، درس الأدب الإنجليزي وبدأ بالفعل العمل في صناعة الأفلام بفترة الدراسة، وأخرج عدد من الفيديوهات والأفلام القصيرة بعد تخرجه من الجامعة حتى صنع فيلم قصير بميزانية تقدر بـ(1000) دولار يُدعى “doodleburg”، ثم جاء بفيلم “Following” والذي حصد جوائز كثيرة في العديد من المهرجانات، ثم استكمل خطواته الناجحة بفيلم “Memento” بميزانية لا تتعدى العشرة ملايين دولار وحقق نجاحًا كبيرًا جعله محط أنظار كبار شركات الإنتاج وترشح فيه لأول مرة لجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو مع أخيه (جوناثان).
أخرج بعدها فيلم “Insomnia” مع الممثلين الكبيرين (Al Pacino) و(Robin Williams)، بعدها جاءته الفرصة لإخراج وكتابة فيلم “Batman” الجديد بعد سلسلة من الإخفاقات التي شهدتها أفلام “Batman” على المستوى النقدي والمستوى التجاري؛ تطلب الأمر منه سلسلة مكونة من ثلاثة أفلام فقط لإحياء أسطورة “Batman” من جديد؛ والتي اعتبرها البعض من أفضل سلاسل الأبطال الخارقين على مر التاريخ. نعم بالطبع إنه العبقري (كريستوفر نولان)! ولكن ما الذي أضافه إلى السلسلة ليجعلها بهذه العظمة؟! حوّل “Batman” من بطل خارق كما كان يظهر في الأفلام القديمة إلى بطل واقعي صاحب قوة ونفوذ أراد بكل بساطة أن ينقذ البلد من الفساد سواء فساد من رجال الأعمال أو الشرطة وتُحركه دوافع الغيظ والغضب بسبب وفاة أبويه وعدم عقاب قاتلهما.
أما بناءه لشخصية الأشرار في الثلاثية فقد كان عظيمًا، فلم يجعلهم أصحاب قوة بدنية وحسب كما كان يحدث، ولكن أضاف لهم فكرهم الخاص وأسبابهم القوية لفعلهم الشر.

“جميعنا نستيقظ كل يوم صباحًا متمنيين أن نحصل على الحياة التى يجب أن نعيشها، ولكن هذا غالبًا لا يحدث؛ وهذا ما يجعل شخصية ك”Batman” رائعة؛ فإنه يظهر نزاعاتنا على منظور أكبر ونطاق أوسع” (كريستوفر نولان) بجانب إخراجه لثلاثية “Batman” أنتج وأخرج فيلم “The Prestige” عام 2006 والذي لقى استحسانًا من الجمهور والنقاد، وأنتج وأخرج مشروعه الخاص “Inception” عام (2010) والذي استغرق منه (10) سنوات من الكتابة والتفكير حتى اكتمل السيناريو، وترشح (كريس) لجائزتين أوسكار عن هذا العمل ولكن لم يفز، ثم في عام (2014) أنتج وأخرج الفيلم العلمي الفضائي “Interstellar”، وترشح الفيلم لخمس جوائز أوسكار ولم يفز سوى بواحدة فقط وهي جائزة أفضل “جرافيك”، وحصل كريس عام 2014 على أوسكار تشريفية لدووره في تطوير التقنيات التي تستخددم في السينما.
تتميز أفلام كريس بروعة القصة وبناء كل شخصية وتفاعلها مع الأحداث، وخلق الدوافع القوية التي تحرك الأبطال بالاتجاه الذي يتمناه، فتجد القصة متسلسلة ومتماسكة إلى حدٍ كبير. “ماهو الأكثر مقاومة من الطفيليات؟ البكتيريا!؟ الفيروس؟! الدودة الشريطية؟!، بل الفكرة؛ الفكرة هي الأكثر مقاومة وعدائية، وبمجرد أن تستقر الفكرة في الذهن، فإنه يكاد يكون من المستحيل القضاء عليها.” (ليوناردو دي كابريو) – “Inception 2010″ راوي متقن، يعتمد بشكل كبير على التغيير بين الأزمنة في أفلامه والتحرك بين زمن وزمن آخر بكل سلاسة مع الحفاظ على ترابط القصة، يعشق وضع الألغاز بالأحداث حتى يحافظ على تركيز المُشاهد معه حتى نهاية الفيلم؛ ليفاجىء المشاهد ب”Plot Twist” تغيير مفاجيء للحداث وهذا ما يجذب المشاهدون لنوعية أفلامه.

“كل فيلم يجب أن يكون له العالم الخاص به، وله منطق وشعور يمتد أبعد من الصورة التي يراها المشاهد” (كريستوفر نولان) لعلك ستلاحظ أن أهم ميزة لـ(كريس) هي الحوار، بالإضافة إلى أنّ أفلامه دائمًا بها هدف معين أو معنى يريد أن يصل به إلى المشاهد، وتجد تلك المعاني تظهر في قوة عباراته في الفيلم ولن يتركك تنتهي من الفيلم إلا باثبات لصحه معانيه وأفكاره.

“الجنون مثل الجاذبية، كل ما تتطلبه هي دفعة بسيطة”
(الجوكر) – The Dark Knight” 2008″ لا يحب استخدام تقنيات الجرافيك “CGI” والـ “Green Screen”؛ لأنه يحب أن يجعل كل شيء أمام الكاميرا طبيعي على قدر الإمكان حتى يظهر واقعي للمشاهد، بينما يعيب أفلامه كثرة أخطاء الراكور: “النقل بين اللقطات في المشهد الواحد مليئة بالأخطاء الساذجة”.
يدخل (كريس) يوم “21 يوليو” صالات السينما بفيلم جديد “Dunkirk” الذي يحكي القصة التاريخية الشهيرة لحصار “Dunkirk”…هذا العمل يعتبر أول فيلم تاريخي بالنسبة له بعيدًا عن أجواء الخيال العلمي وأفلام الغموض، ويرى بعض النقاد أن (نولان) بهذا الفيلم يسلك طريقًا وعرًا للغاية لأن صناعة الأفلام الحربية تحتاج مخرجين ذو خبرة بهذا النوع من الأفلام على عكس (نولان) الذي تنحصر خبرته بأكملها في الغموض والتشويق والخيال العلمي فقط، بالإضافة إلى اختياره لممثلين مبتدئين في الأدوار الرئيسية على عكس عادته في اعتماده على نجوم شباك. فهل تعتقدون أنها مخاطرة! أم أن كريس سيحقق نجاحًا كما حقق في أفلامه السابقة؟! والآن أي من أفلامه ترشحها لأصدقائك؟
كتابة: ماجد نبيل