سيناريو اليأس القهري

ذلك هو عمر الإنسان في مصر بين ثلاث سلاسل، وكل حلقة آخذة برقبة الأخرى حيث تزداد المعاناة يومًا عن الآخر.



هل تود تجربة الشعور بأن يسلب منك أحدهم الحاضر من أجل غدٍ لم يأتي؟! أم من الأفضل أن تفر منعزلًا عن قسوة هذا العالم؟! لايوجد أكثر من المشكلات التي تتعرض لها بلدنا الآن، ولا نواجه أكثر من الطعنات التي تعرقل التقدم للأمام، إن هذه المآزق كموجات الحجر الساقط في المياه والتي تتفاقم يومًا بعد الآخر، ولعلها السبب في أن يتمكن اليأس من النفوس كما نحن عليه الآن. كثيرًا مانسمع عبارة “أن الشباب طاقات المستقبل، نور الغد وروح الماضي”، ولكن أي غد نتحدث عنه نحن وقد مضى من عمر أجيال كثيرة يستمتعون فقط بتكرار العبارات دون تطبيق؛ حتى انهار صمام الأمان وباتت الأغلبية من الشباب الآن يعيشون في عالم من العزلة، كل منهم يبدو مُغيب عن الواقع، ربما لأن الواقع أسوأ من أن يُفسر، وربما السبب الآخر أنّ كل منهم تلقى من الصدمات مايكفيه ويجعله يشتهى فقدان الذاكرة…لا يكاد ينضج الشباب حتى يجد نفسه في عنق الزجاجة، لعل هذه الكلمات تتكرر كل عام في مثل هذا التوقيت ولعلكم أدركتم ما أعنيه!، هي بضعة شهور وينتظر الصبي تدمير أول أمل يستيقظ عليه أو حتى تحقيقه، حتى ينتبه إلى أنه يستند على قمه زائفه لا تجدي شيئًا، وعلى كلٍ فهو كابوس يظل فيه حتى الموت: يفقد الشاب لقب دكتور أو مهندس وكأنه فقد كلا كليتيه!، تتحول عيناه اللامعتان بالحماس فجأة إلى انطفاء وغيام، ومن ثم يكتسب لا مبالاة ورغبة في السير تجاه أي طريق ترسمه له درجاته، يحبه أو يكرهه لا يهم ذلك، المهم أنه “معاه شهادة وخلاص”. ومن العقدة الأولى للعقدة الثانية وهي (الحب)، إذ يقع أي شاب في حفرة لا يعرف متى ولا أين وُجدت في طريقه، من منا لم يحاول أن يكون مثل (قيس وليلى)؟! هو كأس لابد أن يذوق الجميع مرارته، فالله خلقنا نعيش بالدنيا لأجل الحب ولكنهم يلوثون فطرتنا السليمة به بعبثية مشاعرهم لما نراه الآن في الآونة الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي من المنشورات الحزينة أو ما نراه في الواقع من انطلاق بعضهم يعبر عن فقدان الثقة وآلام الفراق…لا يدركون ياعزيزي أنه يخلق مع روح البشر ويظل يسمو داخلها حتى الموت ثم يصعد معها إلى السماء أيضًا لا يعرف فراقها أبدًا. وتستمر العقدة في التشابك حتى يندرج الشاب في المرحلة القاضية والتي لا يجدي بعدها أي حديث، إنها توصف حالة الشقاء التي يمر بها باقي عمره، فمن البديهي عند بلوغ سن معين يرغب أي شخص في الاستقرار وتكوين أسرة صغيرة تسانده على مشقات الحياة، ولكنه سرعان ما يجد نفسه في صراع مع المستحيل لا يستطيع توفير حياة كريمة، بل بسيطة على قدر المستطاع في دولة تستمتع بهوان أبنائها وتخضعهم قوانينها آسفة بائعين في الشوارع وعاطلين على القهاوى. ذلك هو عمر الإنسان في مصر بين ثلاث سلاسل، وكل حلقة آخذة برقبة الآخرة حيث تزداد المعاناة يومًا عن الآخر، ويزداد معها الجرح نزيفًا وبين هذا وذاك لا يجد الشاب مفر من تفريغ طاقاته في التحرش والإدمان، وأصبحت البراعة في أغاني المهرجانات والتفوق في مسابقات العري، وأخذ مظاهر الطبقة العليا مثلًا ليحتذي به…أصبح كل شاب الآن يرسم حدود من اليأس لدولته الخاصة حتى أكاد أشعر أننا (90) مليون دولة داخل دولة واحدة. إنّ المخيف أننا ننتظر تلك الفاجعة من الآن، نرى المستقبل قبل قدومه وندرك ماسيحل بنا بصدر رحب وقلب راضٍ مستسلم. هنا فقط تقتلع الجذور وتذبل الورود فما الذنب الذى اقترفته ليحل عليهم هذا البلاء في هذا العمر! وتبقى الخاتمة موضع نقاش للجميع حيث أشعر بسيل من فوضى الاكتئاب تحاوطنا ولا نملك سوى الصبر ليعافينا، والتمني بأن يعود الشباب يومًا آخر.