هواجس ميت – الحلقة الخامسة (5)

أقسم أني اشتقت وأني لم أعد قادر على الاحتمال أكثر، كنت لا أغفر لكم تجمعاتكم دوني؛ فكيف أغفر لكم الآن تركي بالحياة وحدي أصارع البقاء على قيد الحياة؟!



غادَروا الحياة وانتهى الأمر. ظنّ من حولي أن الأيام ستنسيني أن هذه الحياة ستلهيني أن أعاود الابتسام والضحك. كنت طيلة النهار أُنهِك عقلي بأشياء حتى أقتلعهما من تفكيري ثم يأتيني الليل، تمُر وجوههم أمامي؛ فتتجاهل عيني كل محاولات عقلي البائسة في التجاهل وتنتهي هذه الحرب المؤلمة بالبكاء، والقتيل منها روحي، والمشرد نفسي، كرهت الليل وكنت أخشى قدومه، حتى النوم كان يعاندني، وحين يقرر أن يمَنّ عليّ ببعض الوقت كان يستضيفهم في الأحلام وبعضها كوابيس من الحادثة، صراخ، بكاء، ألم وأنين. أرجوك يا الله أعنّي على هذا الشقاء، قد تعذّبتُ بما يكفي لتريني رحمتك. لا أعرف ما حكمتك لتأخذهم إليك وتتركني!؟ لمَ تحمّلني هذا الحمل أم أنه عقاب؟
أخيراً نهضت من السرير وقرّرت الذهاب للكلية بعدما تعافيتُ من الحادثة. ولأكون على حق، فالذهاب لها هو شيء تعوّدته، لم يكن لي سبيل لتمضية النهار سوى فيها مع أصدقائي وبشكل أو بآخر فإني لم أعتد البيت نهاراً. نزلت التقيت بزملائي كان هناك الكثير من التغيير في لقائهم بي، حتى سلام أيديهم شعرتُ به من القوة التي يتمنوا أن يبسّوها داخلي لأتحمل. حتى هؤلاء الذين كانوا لا يحبّون مخالطتي، كانوا يهدونَني ابتساماتهم عن شفقةٍ أو حب.
ذهبتُ لحضور المحاضرة الأولى، بربّكم أخبروني وليقنعني أحدكم أنني كنت أحضر هذه المحاضرات من قبل، أن الوقت لم يغيروا وحدة قياسه، أن الساعة لازالت ستون دقيقة، أني في كل مرة لن أبحث عن مكان يسع ثلاثتنا، أني سأنظر بجانبي ولا أتوقع أن ينظر لي (علي) ويبتسم، حين يقول الدكتور كلمة تذكّرنا بموقف لنا سوياً سأتذكر وحدي، وأني لن أجدها منهمكة في تركيزها وأشاهدها وهي تكتب لتشعر بنظراتي رغم انهماكها وتنظر إليّ بابتسامة لأشيح بنظري عنها.
وأني وأني وأني …
حاولت البقاء وقاومت أفكاري لأستطيع التركيز، لكني استأذن وأخرج من المحاضرة بل من الكلية بأكملها كانت محاولة للمواجهة جيدة تكفي لليوم.
مضت شهور الترم الثاني وأنا أذهب إلى الكلية جسداً بلا عقل بعدما أنهيتُ امتحانات الترم الأول بلجنة خاصة لأنني لم أكن شفيت تماماً من الحادثة.
اليوم تردّدَت كلمات من حولي عن ظهور النتيجة على موقع الكلية، لكني سمعت بغير اهتمام ولم يساورني ذلك القلق المعتاد في مِثل هذا الموقف.
يأتي الليل لأقضيه على ذلك الجهاز الذي وجدت فيه ملاذي للهروب، أشاهد الأفلام في الأغلب، أترك (الفيس بوك) دون تصفح لكني أفتحه بحكم العادة، سمعت صوت تنبيه وصول رسالة اتجهت للموقع بسرعة فوجدتها من (مالك) زميلي الذي يخبرني بالأشياء المهمة التي يجب تسليمها من شيتات وغيرها، “افتح موقع الكلية النتيجة ظهرت”
فتحت الموقع أخيراً بحثت سريعاً عن اسمي، وجدت أرقام حمراء كانت تكفي لتُعلِمني أني خسرت النجاح هذا العام. وجدت أصابعي على ماوس اللاب تتجه لأسفل
(علي محمد عزب) علامات الغياب كانت تملأ الفراغ في خانات الدرجات. (سلمى أحمد راضي) لم يختلف حالها.
اتجهت لملف الصور الذي يجمعنا وأخذت أشاهدها
أقسم أني اشتقت، وأني لم أعد قادراً على الاحتمال أكثر. كنت لا أغفر لكم تجمعاتكم دوني فكيف أغفر لكم الآن تركي بالحياة وحدي أصارع البقاء. معلّق أنا بين البقاء على الذكريات التي جمعتني بكم لأقوى بها على الحياة أو محاولة نسيانكم التي ستنتهي حتماً بالفشل. بَخِل عليّ الموت بأن يترك لي أحدكم ليساندني على فراق الآخر. ليذهب الأطباء والعِلم للجحيم ما لم يخترعوا شيئاً يخلّص القلب من ألم الفراق، ويُفقد العقل ذاكرته لنتخلص من الذكريات التي تَمسك تلابيب عقولنا بإحكام وكأننا لم نملك ذكرى واحدة لغير من فقدناهم .ارتديت ملابسي وقابلت (عمر) بالشارع -زميل المدرسة قديماً- لم يتفاجأ حين وقفتُ بجانبه وطلبتُ منه سيجارة فأعطانيها بهدوء دون النظر إليّ ثم تركتُه ومشيت، لتبتلعني الشوارع بظلمتها. انتهى بي المطاف أمام أحد البارات، دخلت دون تردد. جلستُ على أول كرسي وجدته فباغتني صوتاً:
-تشرب ايه؟
-أااااااا
-أااا يبقى عرفت طلبك.

“ما الذي جاء بك إلى هنا؟” كانت سلمى تقف أمامي تسألني.
أغمضت عيناي “سلمى ماتت انساااااهااا دي أوهام هواااجس”
فتحت عيني ووجدت كوباً أمامي أحضره رجل البار،
التفتّ جانبي لأتاكد أن سلمى قد ذهبت. وقعتُ على الأرض فجأة فقد كان (علي) يقف مكانها لكنه كان يوجه لكمةً إليّ. نهضتُ بسرعة لأجد سلمى مرةً أخرى واقفة، ترقرقت بعض الدموع بعينيها، اقتربتْ ووضعتْ يدها على وجهي “لم ينتهي العالم ما دمتَ تتنفس لا تنس أني أحببتك يوماً، لا بل أحببتُ أحمد الذي لا يشبهك في شيء الآن، أفتقد أحمد الذي أحببته يوما”.
اختفت، أغمضتُ عيناي وأمسكت الكوب بقوة ورفعته لفمي لكنني توقّفت قبل أن يمسّ شفتاي. شعرتُ بيدٍ تلمس يداي التي أمسك بها الكوب وبادرني صوت يقول:
-شكلك أول مرة تشرب!
كان هذا صوت فتاة من البار قد اقتربت مني حتى شمَمت رائحة الكحول التي تنبعث منها، وسلمى لازالت واقفة ع الجانب الآخر. انتفضتُ وهربتُ للشارع أضحك بشدة مرة وأبكي بحرقة مرةً أخرى.
الليل انتهى من ازدحامه وازداد ظلامه، ولو أخبرني أحد قبل بضعة أشهر أني سأقف على باب بار في الثالثة صباحاً دون وعي وأتخبط بوقفتي بثياب لا يتماشى أي منها مع الآخر واتّسعت على جسدي الذي أخذ من النحافة ما يكفيه، بشعرٍ فوضوي كرأس صاحبه، ولحية كبيرة؛ لأخبرته أنه مجنون.
لم تختلف أيامي في الكلية بعد ذلك غير أني كنت أنام بعض الأيام ولا أستطيع الاستيقاظ للذهاب، ولولا أمي وأبي فلم أكن سأذهب. كانت امتحانات الترم التاني قد اقتربت ولم أكن أبالي.
يوماً كنت أتصفح “الفيس بوك” على غير العادة ورأيت صور للحادثة وبينما أنا على وشك الخروج من منشور الحادثة استوقفني تعليق به رابط “لازم يتحاسبوا” وعرفت أنه إيڤنت مظاهرة؛ للمطالبة بمعاقبة الذين تسببوا في الحادث. في اليوم التالي ذهبتُ لمكان المظاهرة وجدتُ الكثير من أهالي أصدقائي يحملون صور موتاهم ورأيت صور (علي) و(سلمى) بابتساماتهم الملائكية وغيرهم.
ردّدنا بعض الهتافات وازداد عدد المتظاهرين لكن لم يكتمل الأمر بهذه السلمية؛ فبسبب التزاحم كان يندفع الصف الأمامي على حاجز الأمن فاندفع رجال الأمن لإبعادهم لكن حدث اشتباك دفعهم لاستخدام عصيانهم لفض الاشتباكات. بينما أحاول الابتعاد عن مكان المظاهرة ليتّسع المكان، رأيتُ (مالك) يشتبك بيديه مع أحد رجال الأمن ليأتي رجل آخر من وراء (مالك) يهوي عليه بعصاه. جريتُ نحوه “ماااالك”
لكنني شعرتُ بألم شديد برأسي وحلّ الظلام أمامي.

كتابة: علياء وحيد.
تصميم: أحمد شومة.
……………………………………………
استنوا الحلقة السادسة والأخيرة قريب جدا، وقولنا متوقعين نهاية أحمد ممكن تبقى إيه ؟!