علياء وحيد تكتب: (انحراف المسار)

الحياة ليست لُعبة ما إن ننتهي من مرحلة تخبرنا أننا سنبدأ مرحلة جديدة وتنتظر استعدادنا لها.



(1)
الحيرة والخوف يملآني، فليس من السهل أبداً أن تلغي فكرة الزواج يوم زفافك.
الشعور بالذنب نحو البنت التي ألغيتُ زواجها بي بعد أن ارتدَت فستانها قد تسمّيها حماقة، أنانية، سمّها ما شئت، لكن حين أندم على قراري بعد عام أو آخر لن تكون أنت بجانبي تحمل معيَ خطأ قراري، لربّما لُمتَني على تسرّعي، هذا الشعور بالذنب سيكون أيضاً أقوى حين أراها تعيسةً معي، ربّما اختلفت حساباتي في الزواج.
(2)
“رفضَ يوماً أن يشتري لي عكازاً حين بلغ الوهن عظامي، حتى أصبحتُ غير قادرة على المشي دون أن تخونني قدماي، واشترى هو واحداً بدلاً مني وأنا أدرك جيداً أنه لايزال يستطيع السير دونه، لكنّه يخدعني لأصدق أن العجز بلغ به أيضاً مثلما بلغ مني”.
هذا ماقالته لي بعد أول استيقاظ لها بالمشفى وأنا أُطعمها، كانت نائمة بهدوء وطمأنينة، تمنّيت لو أنام دقائق فقط من نومها هذا؛ كأن أحدهما احتضن الآخر فاحتواه بوداعة.

هذا الجلد، تجاعيده تجتذبني بشدة إليه لأمسِك بيديها، لتستيقظ مرة أخرى وتقصّ عليّ فتقول:

-كان يقف مرتدياً بدلته الكتّان مصففاً شعره باحترافية شاب ذاهبٌ للقائه الأول بفتاته المتيّم بها، استندتُ عليه أمام المرآة وأخبرته أن الحياة سارت بنا بطرق ما كنّا نعرف أننا سنُكمل المسير فيها ونظل معاً حتى النهاية. أخبرني بدوره أننا لم نكن نعرف أين النهاية من البداية، فالحياة ليست لعبة، ما إن ننتهي من مرحلة تخبرنا أننا سنبدأ مرحلة جديدة وتنتظر استعدادنا لها.
فقاطعتُه أنا قائلة: هيا سنتأخر على زفاف حفيدك. ليخبرني أنك لست حفيده وحده. أتدري سر حُبّه لك؟
ليس لأنك حفيده أكثر من أنك تشبهني كثيراً.
لم أصدق يوم وفاة ابننا الأول بعد ميلاده بيوم أننا سنفرح ثانيةً، لكنّه واساني حينها بأن الحياة لا تقف عند شيء، حتى أنجبنا والدتك.
-أكانت حياتكما سهلة جدتي؟
-لم تكن سهلة، كان هناك ألم، بكاء، وخصام أحياناً ينتهي بانفلات ابتسامة سرعان ما تتحوّل لضحكات تتراقص على أنقاض الحزن، والكثير من العتاب أيضاً، لكن لم يُرد أحدنا قط أن ينتصر لنفسه ويدين الآخر؛ فالفوز هو بقائنا معاً، ولا قيمة لأي شيء آخر.
لم نحقق كل الأحلام التي تمنيناها لكننا حقّقنا منها ما يكفي لجعلنا سعداء، لم يكن الحب وحده المهم لكن…
قاطعتنا الممرضة لتخبرني أنه يجب أن أغادر وأترك جدتي لترتاح.
تردّدتُ قبل أن أغادرها، لكنها نظرت إليّ باطمئنان بينما تقول: “اذهب، سيبقَ معي”
غادرتُ وهذه الكلمات تُثير قلقي، فلم يكن في الغرفة سوانا والممرضة. المهمة التي كلّفتني بها أمي أصبحت الآن صعبة للغاية؛ أن أخبر جدّتي أن من ظلّت تتحدّث عنه طوال ساعات مكوثي بجوارها، قد توقّف قلبه في طريقهما بالسيارة لزفافي؛ لتُنقل هي للمشفى ويغادر هو الدنيا.
أخذت أفكر “ترى ما الذي كانت ستُكمل به حديثها قبل دخول الممرضة؟”
عُدت سريعاً لأعرف حتى لا أظل في ريبتي، لكني عدت متأخراً، أو رحلت هي باكراً لتلحق به.
ما حدث بيني وبينها في هذه الدقائق جعلني أوقف إتمام هذا الزفاف وأُدرك أن اختياري كان خاطئاً. لا أعلم متى سأجد من أرى فيها جدّتي وترى فيّ جدّي! لكنّني لم أُرِد أن يكون زواجي سدّ خانة فحسب.