هواجس ميت – الحلقة الرابعة (4)

اللي بتحبهم لو بعدوا عنك شوية بتتعب...بس بتكون مطمن إنهم موجودين على الأقل. طب لو اختفوا مرة واحدة ومابقوش موجودين من غير أي إنذار!؛ هتقدر تكمل حياتك بشكل طبيعي؟!.



لم أكن أعلم أن ذلك الألم الذي يسري في جسدي كان أثر الحادثة أم أن قلبي أفاض بما فيه من وجع ليتقاسمه مع كل عضو في جسدي فتتحقق له أمنيته بالرحيل…وأمنيتي أيضًا.
لم تكن قدمي اليسرى تقوى على حملي لصعود الدرج، فكان أبي عكازي من جهة وأستند على الحائط من الجهة الأخرى، صوت أبي وأمي مختلط بأصوات أخرى يبدو أنهم يتحدثون إلي، لكني لا استطيع سماعهم بوضوح، كانت صرخات (سلمى) و(علي) تعلو في أذني لتحجب سماع الأصوات من حولي، حاولت الإسراع هروبًا من ذكرى الحادث الذي يطاردني متجاهلًا الألم الذي يسري في قدمي حتى وصلت لباب غرفتي، حاول أبواي أن يدخلا معي، لكني رفضت وطلبت منهما أن أبقى وحيدًا، سارعت في غلق الباب ملقيًا جسدي على السرير لأرى (سلمى) أمامي وكان قلبي أضعف بكثير من أن يتحمل ذلك السراب، فأغمضت عيني وغبت عن الوعي نائمًا أو مغشي علي لا أعلم!، لكن النوم لم يعد مهربًا كما اعتدته فالجثث الهامدة أرضًا، الدماء التي تغطي الوجوه وصوت الارتطام والصراخ لم يفارقني، كنت أحلم بكوابيس لأستيقظ على الكابوس الأكبر.
لا أدري كم مضى على رجوعي من المشفى وكيف أنقضت تلك الأيام!، كل ما أشعر به أن ذلك الشرخ في روحي يزداد اتساعًا بمرور الوقت؛ مسببًا ألمًا يعجز أطباء العالم عن علاجه.
خرجت من هزيي على صوت أمي يأتي من خلف الباب، لتفتح حامله “صينية” عليها جميع ما أشتهي من طعام، وتتحول الابتسامة المرتسمة على وجهها إلى قلق “وشك اصفر ومخطوف كده ليه…كوابيس تاني!…والله ما عارفة اللي أنت فيه دا أخرته إيه!” وكعادة أمي في الإلحاح استمرت في محاولات إقناعي بالأكل لمدة أهلكت ما تبقى لدي من صبر “طب كل دي…ديه المكرونة البشاميل اللي أنت بتحبها” سقطت دمعة سهوًا لتطفئ ما اشتعل بي من وجع “علي كمان كان بيحبها أوي” صمتت أمي قليلًا وعلامات الحزن وقلة الحيلة ترتسم على وجهها الملائكي الذي لم يسكنه سوى الضحكة والرضا في أصعب المواقف، جلست بجواري ووضعت يدها علي رأسي متمتمة بآيات من القرآن ولم تتوقف عيناي عن نزيف دمعها حتي خلدتُ في نوم عميق.
“سلمااااه….” انهارت دموعي كأني شاهدت لحظات موتها للمرة الثانية ضغطت على رأسي محاولاً قتل ذلك الألم أشعر بأن أحدهم يضرب بمطرقة على رأسي…أشعر بتهشمها، بحثت على المكتب بجواري على أقراص للصداع، فوقعت عيني على تلك المزهرية التي أهدتني إياها (سلمى) كان عشقها للورد يجعلها تزرعه في قلوب كل من عرفتهم، ذهبت لتترك زهورها ذابلة في قلبي لا أجد من يعيد لها الحياة.
لم يسمح لي الألم الذي هشم قدمي أن أتحرك بدون العجاز بضعة سنتيمترات، لذلك اتكأت عليه لأصل للدولاب، جلست على الكرسي أمامه لأرى شريط ذكرياتي يمر أمام عيني، ذلك القميص الذي أخذته من (علي) مازالت رائحته معلقة به، في الحقيقة أن كل ما في الخزانة من ملابس لا اتذكر أكانت في الأصل ملكه أم أني من اشتراها!، فكانت الملابس تتنقل بيننا حتى ننسى لمن كانت….رائحته تطاردني بكل مكان، بيد مرتعشة فتحت الصندوق الذي طالما احتفظت بداخله بكل الصور والهدايا المقربة لقلبي إنه “صندوق الذكريات” لتقع عيني على أول صورة كانت كإعصار اقتلع روحي من جذورها لتعصف بها ثم ألقيها أرضًا تلك الصورة من يوم عيد ميلادها، ليتني علمت أنه الأخير…تلك الفرحة في عينيها، يديها الممسكة بيدي ومائلة برأسها على كتفي بدلالها المعتاد…تركتني لأبكي على حطام بيتنا الذي بنيناه سويا وهدمته وحدها، وتلك الصورة على الشاطئ عندما قررنا أن نلتقطها دون انتظار (علي) فأسرع باتجاه الصورة ليلقي بزجاجات المياه على رأسنا فينفجر الضحك في أرجاء المكان، دائمًا ما كان يحاول رسم الضحكة على وجوهنا رغم كل ما بداخله من حزن.
“غالبا ما يخفي أصحاب القلوب المكسورة حزنهم وراء ضحكاتهم الصاخبة ووجوههم البشوشة ليواروا وراء تلك القوة والبهجة قلوب هشة أهلكها الوجع”.
تلك الساعة التي أهداني إياها (علي) تشاركني حزني على فراقه، توقفت عقاربها عن العمل معلنة توقف الزمن في غيابه…وأي حياة ستكون بعد رحيله.
بحثت في الصندوق عن شيء أجد فيه عزائي؛ لأجد تلك الجوابات التي كانت (سلمى) مغرمة بإرسالها لي تحولت حروفها لسكاكين تذبح ما تبقى بداخلي من أجزاء لم يقتلها الوجع، لتستقر مقلتاي على إحدى سطورها “أنا عمري ما هسيبك يا أحمد” تنهمر الدموع كسيول ثائرة، يزداد عتابه ويعلو صوته “بس أنتِ سبتيني أهو يا سلمى أنت اللي خلفتي الوعد ومشيتي ردي عليا ليه سبتيني؟”.
ذلك الشعور بأن أحدهم أفلت يدك في منتصف الطريق ولا تجد سبيل للعودة، موقن أن القدر كان أقوى من كليكما، لكن بداخلك شيء لا يتوقف عن لومه أو لوم القدر!.
“كل من ذاقوا ألم الفراق ليبعد بينهم أميال وبلدان؛ يعيشون على أمل العودة واللقاء صدفة، ولكن على أي أمل أحيا! وما يفصل بيننا هو الموت!”.
اقتحم أبي الغرفة فقد كان صوت صراخي كفيل بأن يوقظه مفزوعًا، أقترب مني وبدون أي كلمة احتضني بقوة كأنه يحاول أن ينقل ما بي من وجع إليه
لا أتذكر أخر مرة فعل ذلك كانت متى!، لكني بكيت بكاء طفل في السابعة بكيت على ضياع أصدقائي وبكيت على السنوات التي حرمت فيها من ذلك الشعور عند احتضانه.
ساعدني على النهوض لأستريح في السرير وجلس بجانبي على الكرسي، كنت أشعر أنني لم أره منذ سنوات، بدت علامات الكبر تظهر في شعره الرمادي ولم تخفِ سمرة وجهه تلك التجاعيد التي رسمها الحزن والحسرة، رأيتُ في عينه نظرات حب وعطف لم أرها في حياتي، كانت عينيه الجاحظتين متحجرتين بالدموع، شعرتُ أنني لم أعرفه من قبل لم يكن يومًا يشعر بما داخلي من ألم، كان يراني أعطي الأمور أكثر مما تستحق، غير قادر على تحمل المسئولية ودائمًا ما كان يستخف بمشكلاتي، لعل تلك القسوة كانت خوفًا منه أن تفسد تربيتي من اعتناء وتدليل أمي لكوني ابنهما الوحيد.
كان يجول بنظره محاولًا البحث عن كلمات تلائم الموقف لعلها تداوي جزء من ذلك الجرح؛ ليقطع ذلك الصمت الطويل بنبرة هادئة “هون على نفسك يا ابني حقهم هيرجعلهم إن شاء الله…وأنت في المستشفى أهالي الضحايا رفعوا قضية وإن شاء الله هيتحكم فيها قريب وكل اللي كان ليهم يد فاللي حصل دا هيتحاسبوا ماتخفش”؛ لم أقدر على النطق بكلمة واحدة، لكنه قرأ العلامات المرتسمة على وجهي “هيتحاسبوا آه”