هواجس ميت – الحلقة الثالثة (3)

يا صهبجية...إيه يا لاللي. عاوزين شوية...إيه يا لاللي. حاجة م اللي هيّه...إيه يا لاللي. حبة آهات على ليل على عين على ترلا للي.



“يا صهبجية…. إيه يالالالي”
-ضحكنا كثيرًا ونظرنا لوجوهنا الضاحكة، طالما تعاملنا بلغةِ العيون وكررنا وراء (كاسيت) الحافلة-
“عايزين شوية…إيه يالالالي…حاجة من اللي هي…إيه يالالالي…حبة أهات على عيني على ليلي على ترالالي…أنا وحبيبي روحين في سكيبة”
-نظرت إليها والضحكة لم تفارق وجهي وهي جالسة على المقعد المقابل لنا أنا و(علي) وغمزت لها، ابتسمت لتردد مع نغمات الموسيقى “يتعلّموا منّا الحبيبة…كايدة العوازل جتها رزية يا صهبجية إيه يالالالي”.
طالما كنا ندندن سويًا كلمات تلك الأغنية في أيام المدرسة ذهابًا وإيابًا، مرت علينا كل ذكرياتنا في أولى لحظات رحلتنا، خاصة (سلمتي) الجميلة، قد كان اعترافي بحبي لها ذات يوم عائدون من درس (الكيمياء) كانت حزينةً للغاية من مضايقات زميلاتها الثقيلات في الدرس عندما سخروا من استفسار ما وجهته للأستاذ حين ذاك.
تذكرت أول مرة رأيتها فيها كانت رقيقة تبدو لك هادئة في بادئ معرفتك بها ولكنك بمجرد الاقتراب تجد نشاطًا، حيويةً وطموحًا كبيرًا ينبعث منها، تجبر قلبك على الشعور بالبهجة، تحب برائتها في الحديث وتعشق حركاتها المجنونة الغير متوقعة، تستسلم لسحرها ولو كنت حجر أصم، تبث في عروقك (الأدرينالين) وتتزايد دقات قلبك الولِع على غفلةٍ منك، عيناها تأسراك في مكانٍ بعيدٍ إذا نظرت مرةً إلى بريقِهما ستدمنهما حقًا.
كان أول يوم في (المدرسة الثانوية) أسير صباحًا متفائلاً بتغريد العصافير عندما لاحظت جدائلها الذهبية تلمع في أشعة الشمس، مرتدية المريلة الزرقاء، وتدندن بأغنية لم أتبينها ظَل نظري معلقًا بها حتى وصلنا سويًا عند البوابة، كانت المدرسة تعج بالفوضى؛ لترتيب طابور الصباح لم تفلتها عيني، كانت واقفة في منتصف الساحة يرتسم على وجهها القلق والحيرة؛ ذهبت وعرضت عليها المساعدة فرفضت وذهبت لسؤال أحد المشرفين عن مكان فصلها لتقف معهم والمفاجأة أنها معي في نفس الفصل!، أتت ووقفت جانبي فابتسمت لها منتصرًا نظرت بغضبٍ وأشاحت بوجهها بعيدًا، كانت متفوقة ولا تترك سؤالاً في الفصل إلا وكانت أول من رفعت كفها الرقيق مجيبة، كنت أراقبها باستمرار أو أكاد لا أذهب إلا لمراقبتها، اكتشفت -في ذات اليوم- أنها ابنة الساكنين الجدد في عمارتنا، لا أدري ما سبب السعادة التي غمرتني كونها ابنة الجيران وقتها لكنني حدثت نفسي “المهم أنني سعيد”.
“فاكرة؟” قطعت حديثهم وضحكاتهم، اتسعت ابتسامتها فأكملت حديثي “كنتي بتعيطي يومها”
“بس أنتَ أول ما اتكلمت دموعي وقفت في عيني واتحولت لدموع فرحة”
“فاكرة قولتلك إيه؟”
نظرت إليّ واحمرت وجنتاها كأنهما تترجاني لكي أتراجع عن إخجالها…
“عنيكي دول جنة مايستهلوش بُكا ولو لمعوا يوم يكون من الضحك أو يلمعوا لمعة فرح، اضحكي بقى…أنا بحبك يا سلمى”
ضحكت دون النظر إليّ، بدأت أغني أغنية لـ (كاظم الساهر) حملت اسم (أُحبكِ أنتِ) كنت قد أهديتها لها في عيد مولدها في ذلك العام.
“مش كدا سيبوا شوية لما نوصل ونراقب النجوم” قالها (علي) وهو يضحك ويغمزني بكوعه، نظرت إليه مغتاظًا وأنا أضحك “مش هتبطل بقي الفصلان دا” ضحكنا وأكملنا ترديد الأغاني.
طالما كان كثير الضحك والمزاح ولكنّني أعلم أن وراء ذلك ألم يعتصره وحزن يأكل قلبه. كانت أم (هند) قاسية عليه عندما وبخته، وأهانته وأمرته أن يبتعد عن ابنتها؛ لأنه ليس من مستواها الاجتماعي وهي لا تريد أن يكون سببًا في كسر قلبِ ابنتها الوحيدة، ابتعد رغمًا عنه وجاء سفرها ليكمل الفراق.
ظل يبحث عن وظيفة إلى جانب دراسته لشهورٍ طويلةٍ وتنقل من وظيفةٍ لأخرى فتردد على صيدليات، ومكتبات، وأحيانًا في المطاعم يأخذ طلبات الزبائن، حتى أنه عمل في (سوبر ماركت) موظفًا (كاشير). عمل ليل نهار اعتمد على نفسه وتحمل مسؤولية كبيرة فوق عاتقه، لم أتخلى عنه يومًا كنت في كتفه وأشجعه باستمرار وهو كذلك منذ أن عرفته في الثانوية، تعاهدنا ألا نفترق ولا أظن أننا نفعلها قط.
نظر إليّ “سرحان في إيه؟” ابتسمت له وبدأنا بسرد ذكريات الثانوية وجلوسنا أمام البحر الذي شهدنا ونحن نكبر أمامه.
فجأة مع صوت ارتطام الموج في الصخور سمعت ضوضاء طفيفة في أذناي، حاولت فتح جفوني بصعوبة، واجهني ضوءٌ شديدٌ أعمى رؤيتي لثوانٍ، قلقت من سباتي الذي طال شعرت بهم حولي أحاديث سمر، ضحكات ورنة ضحكتها المحببة التي سكنت قلبي.
بحثت عنهم بعيني في كل ركن في الغرفة حتى تبينت أنني في غرفةٍ كئيبةٍ يكسوها اللون الأبيض، لم أجد سوى والديَّ اللذين حُفر على وجنتيهما مجريين للدموع، سألت “سلمى فين!، فين علي؟ مكانوش هنا؟” انتظرت ردًا مختلفًا عن كل مرةٍ كنت استفيق فيها ولكن انتظاري كان بلا طائل.
دمعت عيناي، أطبقت جفوني بقوة، أحسست بشيء يقبض على روحي لم استطع الإفلات منه حاولت جاهدًا دون فائدة، صوت النحيب، الصراخ والآهات تتعالى من حولي لم يكن مجرد صوت آلام ستمر بل أكثر من ذلك وجع يهتك بالنفس، تزايد الصراخ والألم في أذنّي، لم أحتمل حتى بدأت بالصراخ عله يذهب بعيدًا.
حاولوا تهدأتي كثيرًا، صرخت أمي “حرام عليك يابني كفاااية” وتعالى صوتها بالبكاء، أمسك والدي يدي بهدوء “اهدى يـ أحمد” وأحكمت الممرضة الإمساك بيدي الآخرى، صوته كان مهتزًا ومكسورًا لم استطع النظر إليه ولكني رددت “ماتوا قدامي ومقدرتش أعملهم حاجة، أنا عاجز أنا عاجز أنا عااا…” خارت قواي كان أثر المخدر قد بدأ بالعمل مرة آخرى.
بدأنا نشعر بهزةٍ قويةٍ في الحافلة، كل شيء حدث في ثوانٍ معدودة تحولت أصوات الضحك إلى صرخات موت مدوية كل شيء يدور بشدة، لم أفكر إلا كيف أجدها! لم أستطع رؤيتها! صرخت بكل ما أوتيت من قوة “سلمااااا” “عليييي” أنفاسي تذهب ولا استطيع اللحاق بها، صرخت كثيرًا صرخت من أعماقي صرخت حتى ظننت أن أحشائي على وشك الخروج أعتقد أن زلزالاً سيكون أكثر هدوءًا.
سمعت أقوى صوت ارتطام يمكن لإنسان سماعه سمعت صوت رأسي وهي تتهشم، استطعت الشعور بحركة الظلام وهو يغزو الكون من حولي ببطء حتى ابتعدت أصوات الصراخ أسمعها كأنها تأتي من عالمٍ آخر، شعرت بدفءٍ يسري على جبيني وفكرة واحدة تدور في رأسي المهشم “أين سلمى؟!”.
لأول مرة تمنيت بشدة لو أموت…نجوت وليتني لم أفعل، لم يسع عقلي سوى مشهدٍ واحدٍ أبشع مشهد رأته وستراه عيني، لن تصدق إذا قلت لك أنه كأنك جلبت (أربعون) من حبات البطيخ وأوقعتها من فوق سطح بيتك على صخور حادة مكسوة بالطين!.
لا أعلم كم بقيت فاقدًا للوعي!، كم أن صوتهم لا يفارق أذناي!، كيف أن هذا الألم ينتهك حرمة جسدي اللعين الناجي!، لو أخبرتك أنه إذا طعنت قلبك (مِئة) طعنة بسكين صدأ لكان أهون من ذلك الألم!.