هواجس ميت – الحلقة الثانية (2)

ماذا لو تحول فجأة الزمان والمكان القابع به جسدك إلى آخرين موحشين دون إذن منك...دون أي إدراك من عقلك؟!



كنت أتلذذ بتلك الحمرة مرتين؛ عند خجلها أولًا وعنادها الذي يشبه دلال طفلة على أبيها ثانيًا، وكان رد فعلي في المقابل غيرتي بلا حساب؛ وكيف لا أغار وهي لا تنتبه لسلوكها وتغرق في جنوننها؟، كل ما تهتم لأمره أن تكون بطبيعتها.

كانت عادتنا -أنا، سلمى وعلي- في كل صباح نجلس بساحة الكلية نتناول الفطور ونتحدث في كل شيء وأي شيء، كم أحببت نظرة (علي) الدائمة للحياة “المتعة ولا داعى للحزن”، أما سلمى كانت تقول “حبها زي ماهي ومتهتمش” ولا تهتم أبدًا بما يقال أو يُفعل أُراقبهما بعقلٍ تملأه الأفكار محاولًا أن أرى الحياة بنفس نظرتهم لها…
“بص ليك عليا…أسيبكم لوحدكم ساعة بحالها” قالها (علي) محاولًا إقناعي بالرحلة التي كنا قد سبق وتجادلنا عليها في “الكافيه” أمس …. لتضحك هي كعادتها على كل ما يقوله (علي) لتربك هدوء أفكاري
ومع إني لم أكن أرى داعٍ لذلك وافقت مضطرًا فأينما ذهبا أكون معهما.
وبمجرد أن وافقت بدأ (علي) ينفذ عرضه “هسيبلك الجو شوية”…ليعود لي الهاجس بأنها راحلة والسؤال الذي ليس له إجابة “كيف ستكون حياتي بدون (سلمى) إن كنت حتى لم أتحمل فراقها لأيام؟!”
يقاطع شرود أفكاري صوتها القلق الغاضب:
– “ليه دايمًا بتفكر في الناس محدش ليه عندي حاجة”
-“وأنتِ بردو عارفة أنا ببقى عامل ازاي لما بحسك بتعاملي حد بنفس الطريقة”
على ذلك المنوال كان شجارنا الدائم فلطالما أحسست أن طبيعتها تلك ملكي وحدي، ولايمكن لأحد أن يسعها غيري؛ هذا كان صراعنا الدائم فهي ترى أن اعتراضي قلة ثقة بالنفس واهتمام زائد بالناس بينما أعلم أنا من داخلي أنه ما هو إلا غطاء لحب تملكها الذي يسيطر عليَّ.
تمر بنا الأيام ومعها مداعبتنا وشجارنا، كُنا كقطبي المغناطيس نتجاذب تارة ونتنافر أخرى بفعل حركة الظروف من حولنا والتقلبات النفسية ولكن تعهدنا على عدم الافتراق.
أذكر صباح اليوم الموعود واستعدادات الجميع للطريق الطويل، يمر الوقت لما قبل الشروق بقليل، بمكان مغلق على غير المتوقع يسوده حالة من الخوف والارتعاب، وما تلك الرائحة!، لحظة!، لم تبهت الصورة؟!، إلى أين تذهب رؤيتي؟!…
أسلاك؟ أجهزة؟ لماذا أحس بثقل غريب في قدمي اليسرى.
تمر ثوانٍ معدودة ليعود إدراكي بأن الرائحة تعود لرائحة البنج والمحاليل التي ما تلبث أن تلتصق بأنفك لحظة دخولك لذاك المكان “المشفى” والكثير من الأجهزة والأسلاك الموصلة، الرؤية تشوش مرة أخرى ولا أعلم أين البقية أو ماذا حدث!.
الكثير من الأجهزة بصوتها الأشبه بدقات الساعة، “تك…تك…تك!” ليشذ عن هذه المقطوعة صوت صفير…تسرع الممرضة بدخول غرفة “العناية المركزة” مسرعةً في طلب الطبيب المعالج؛ فيدور النقاش حول ضرورة صعقات الكهرباء لإنعاش عضلة القلب وكيفية مراعاة هذا الجسم المكسر معظم عظامه.
مر يوم ونصف اليوم كأنها شهور على المرافقين للحالة ولكن الحمد لله فقد استقرت عن ذي قبل -“يا ليتها لم تكن”-.
“هي دي الاستراحة التانية ولا التالتة” قالها بصوت بالكاد يُسمع فيفزع الجميع فرحًا؛ تدخل الممرضة تتحقق من سلامة أداء حاسة البصر والسمع، وتطلب منهم توفير الراحة للمريض بكلمات معتادة.
وبعد محاولات من عقلي الساذج لإدراك المكان القابع به جسدي بالطبع كان أول ما أدركته سؤالي عن البقية!!
وبصوت غير مسموع من كثرة الهمدان والتعب.
-“هما فين!… إيه اللي حصل!”

كتابة: سلمى بربل.
——————————————————————————————————————-
شاركونا وقولونا تفتكروا إيه اللي ممكن يحصل في الحلقة الجاية؟!