هواجس ميت – الحلقة الأولى (1)

بعثت مع البحرِ إليهم سلامًا... تُرى هل وصل؟!



تركت حجرتي التي تتكحل بالظلام ليل نهار فلا شبابيك تُفتح ولا أنوار تُضاء ذاهبًا إلى الشاطئ الذي تعهدت لي جدتي يومًا بأنه سيتسع لهمومي كلها متى ثقلت بها روحي؛ فالبشر مهما أحبوك لن يسمعوا لشكواك وقتما تشاء أو متى شعرت بالحزن فلكلٍ منهم طاقةِ تحمل ولكل منهم همومه التي تثقله أيضًا.

صدقت جدتي فيما قالت فمنذ سنوات وأنا آتِ إليه لأحكِ عن همومي المتثاقلة على كتفيّ، عن شعوري بالندم الذي يعتصرني، عمن يقولون إنهم يشعرون بما أشعر لكنهم لو علموا ما في قلبي لانهمرت دموعهم، آتِ لألقي بكل هذا إليه.
سرت دون اهتمام مني بالعجوز الذي اتخذ اتجاه معاكسًا لي فسار على الجانب الآخر من الشاطئ محتميًا من المطر “رايح فين يا بني ده الموج عالي والبحر يبلعك”؛ لم أستطع الرد، أكملت طريقي واليأس يملأ قلبي وعيناي دون أن أتفوه ولو بنصفِ كلمة، وكأن كلمات الدنيا كلها والمفردات التي تعلمتها منذ نشأتي قد نسيتها أو وقفت في حنجرتي متصلبة لا تستطيع الخروج.
تسلقت الصخور الموازية لهذا الجزء من الشاطئ نزولًا، متجاهلًا علامات التحذير من الاقتراب، يبدو أنك منزعج اليوم! لِم كل هذا الغضب؟! لا بأس أشعر بما تشعر به؛ جئت أشكوك فوجدتك مهمومًا مثلي؛ تنهمر دموعي تدريجيًا لتختلط بقطرات الماء المتناثرة من صديقي الوحيد كأننا نسينا تلك الأيام التي كنا نضحك فيها لساعات وساعات دون أن نشعر بالوقتِ يمر، أذكر تلك المرة التي تعالت فيها أصوات ضحكنا بسبب “علي” الذي يتفنن في رسم البسمة على شِفاهنا منذ أن كنا صغارًا، سكنَّا بنفس المبنى، كانت “شيلتنا” الصغيرة مكونة منَّا وبنتيّ الجيران، نلعب سويًا، نذهب لنفس المدرسة حتى أني قد أحببت “سلمى” وهي مصدر سعادتي إلى الآن، أما (علي) فقد أحب (هند) ولكن انتهى الأمر بينهما بسفر أسرتها إلى دولةٍ من دول الخليج، ظللنا هكذا حتى دخلنا الجامعة وصدق أو لا تصدق احتوتنا نفس الكلية، زاد عدد أصدقائنا واحتوانا مكان بالقرب من الشاطئ يطل عليه بالتحديد نلهو فيه ونغني، يثير ثمانيتنا الصخب كما لو كنا نجلس وحدنا بالمكان، ونضحك على خيباتنا كما لو كانت هذه آخر مرةٍ نضحك فيها.
نجلس فيه لنشرب قهوتنا المعتادة، تبدأ أغنية نسمعها لأول مرة رغم قدمها تقول “بفكر في اللي ناسيني وبنسى اللي فاكرني وبهرب من اللي شاريني وأدور على اللي بايعني” كلنا مندمجون معها لكن (علي) لا يفوته إلقاء مزحة من مزحاته قائلًا “أيوا يعني ده حَوَلْ ولا إيه” ليقاطع ضحكنا بعدها لنتناقش في فكرة قد طرحها علينا من قبل للقيام برحلةٍ في نهاية الأسبوع لاستطلاع النجوم بعيدًا عن صخب المدينة.
قال (علي):- “لكن يا عمر الوقت طويل قبل الامتحانات ومش هتخسر حاجة ولا هتضيع وقت على الفاضي لو جيت معانا”، لِيَرد (عمر):- “هاجي معاكم المرة الجاية”، أما عنِّي فموقفي دائم الثبات؛ فأينما ذهب (علي) و(سلمي) أو أحدهما لمكان فإني ذاهب لا محالة، فهما كما يأخذان حقائبهما يأخذان روحي معها، لكن كيف يفكرون في شيء كهذا؟!، الذهاب لاستطلاع النجوم!!، ألا يرونها واضحة في (عينيها)؟!؛ قد أطيل النظر والتحديق بهما لتمسكني متلبسًا بالجريمة فتحمر وجنتاها وأضحك…

كتابة: أسماء أبو الغيط

……………………………………………………………………………………………………………………….
استنوا الحلقة التانية قريب جدا، قولولنا متوقعين ايه ؟