أمل عثمان تكتب: “أجراس الحب”

‎يطرق الحب أبواب قلوبنا في مراحل كثيرة وتحت أسماء مختلفة، وكم نودّ لو يستمر طَرقُه دوماً.

أمل عثمان تكتب أجراس الحب !

يطرق الحب أبواب قلوبنا في مراحل كثيرة وتحت أسماء مختلفة، وكم نودّ لو يستمر طَرقُه دوماً.

يتخلى عنّا البصر أحياناً حينما نحاول تذكر مواقفه الأولى في حياتنا، لكن أبداً لا يتخلى عنّا القلب، فمشاهد الحب الأولى هي تلك اللبنة الأولى في وجداننا. وجه أبي حينما يبتسم لي، لتخبرني ابتسامته قبل صوته كم يحبني، صوت أمي حينما تناديني “حبيبتي”، اللعبة الصغيرة التي لا أتذكر عنها الكثير لكني أعلم أني كنت أحبها، تلك الذكريات وغيرها لست أنا الوحيدة التي أحملها في قلبي عن الحب، فكل منا يدرك معناه من خلال المواقف الصغيرة التي عَلِقت بوجدانه وعقله.

يستمر الحب رفيقاً لنا في الدرب، كلما نكبر فهو يكبر معنا، فنكتشف كم نحب أصدقائنا، كم نحب السفر أو التعلم أو كم نحب زوجنا أو زوجتنا…ولا تنتهي القائمة. يخفت صوته أحياناً، وأحياناً يعلو حتى يطغى على ما سواه، تلك إذَن هي (أجراس الحب).

في حديثنا عن الحب ربما لاتكفينا الحروف حتى نصِفه أو نشرحه لكن في تلك السطور القليلة أودّ أن نستمع سوياً بإنصات إلى أحد تلك الأجراس، لا نستمع إليها بأذُن العاشق، لكن نستمع إليها بأذُن المتأمل الباحث، هذا الجرس هو القلب حينما يطرق الحب بابه في بدايات الشباب فيتسائل كيف يتعامل معه، أيقترب أم يبتعد؟ هل يتجنبه أم يواجهه؟ أيفرح به أم يخاف منه؟ وتتوالى أسئلة القلب، حينها ماذا نفعل لنُجيب عن تلك الأسئلة؟

سأقول لكم أننا لم ندرس كتاباً في المدرسة يعلّمنا كيف نُجيب عنها. سأقول لكم مع الأسف فالأسرة أيضاً منشغلة بحيث لايجد الأب أو الأم الوقت لتعليم أبنائهم كيف جاءت تلك الأسئلة، وأيضاً في كثير من الأحيان لا نرى الحب بين الأب والأم فنقلّده، لكن الوضع الغالب -وكلي حزن أن يكون هذا هو الوضع الغالب- أن يأتي الأب متعباً من عمله وكذلك الأم متعبة من عملها داخل وخارج المنزل، فلا وقت لديهم لتبادل مشاعر الود والمحبة بينهم أو مع أبنائهم، إذاً فمن أين لنا أن نتعرف على أجراس الحب ومن أين لنا أن نتعرف كيف نتعامل معها؟!

بمزيد من التفكر سنجد أن أولى مصادرنا في تعلمه أصبحت الأفلام والمسلسلات المصرية، وفي نظري سنكون مخطئين إذا أسميناها (المسلسلات المصرية) بل الأصح أن نسميها (المسلسلات ذات الهوية الثقافية الضائعة).

بل لم تعد هي فحسب مصدرنا الوحيد لتعلمه، بل أضيف إليها المسلسلات والأفلام الهندية، التركية والأمريكية، حتى نصل إلى جوجل فنسأله هو أيضاً عن الحب ولا ندري إلى أين سيذهب بنا جوجل!

تلك الباقة المنوّعة من المصادر تبثّ لنا صورة عن الحب، صورة قد تكون مزيّنة بالخيال كثيراً، صورة لواقع وثقافة غربية، تختلف عن ثقافتنا وعن ما يأمر به ديننا. تعرض لنا صورة يتحكم بها مبدأ الربح ومبدأ شباك التذاكر، ويزول في كثير منها مبدأ المودة والرحمة، ربما تعرض لنا السم بالعسل فننشغل بالعسل وننسى السم، صوره قد تبرر لنا حتى الكذب باسم الحب أو الخيانة باسم الحب.

كان نهايتها أن وصلنا لقلوب وعقول كل خيالها وكل أحلامها في الحب مأخوذة من الأفلام السينيمائية، تلك الأحلام يمكن تسميتها الأحلام سابقة التجهيز، فقبل أن يوجَد المحبوب وُجد الخيال والحلم الذي شاهدنا مثله في الأفلام ونحلم بتحقيقه عندما يأتي المحبوب، أمّا في الماضي فكانت أحلامنا عن الحب نابعة من الواقع ومن وجود المحبوب أولاً ثم الخيال.

الدراسة النفسية لتلك القضية يشير لها د/ وائل أبو هندي -أستاذ الطب النفسي بكلية الطب- فيقول: “إن الحلم السابق التجهيز أصلاً لا هو بالنابع من ثقافتنا ولا هو بالمعبّر عنّا، ولا يُستطاع بشكل طبيعي أن نحوّل الواقع الذي نعيشه إلى ذلك الحلم، فلا يكون أمامنا إلا أن نأخذ موقفاً انفعالياً منه، إمّا أن يُضطر الواحدُ منّا للانفصال عن واقعه والعيش بعيداً عن العصر، وإمّا أن ينسلخ الواحد من جلده فيعيش مَسخاً ثقافياً في مجتمعه، وهناك من يخلطون بين هذا وذاك لكنهم أيضاً لا يستريحون.”

وفقاً للحصيلة التي لدى العقل من الأفلام والمسلسلات تكون ردّة فعلنا اتجاه أجراس الحب الأولى، فهل تلك الحصيلة يمكن أن تُنتج أي رد فعل متوازن في رأيكم؟

ربما موسم المسلسلات الرمضانية هذا العام بين يديكم يُعَد أكبر دليل لتحكموا به على نوع الثقافة التي تمدّنا بها الدراما التليفزيونية المعاصرة، وتظل الأفكار التي حصلنا عليها من مرحلة الشباب وما قبله مصاحبةً لنا طوال حياتنا، وعليها يتحدد كيف سنعيش الحب ونبني أسرة صالحة في المستقبل. لذلك كان علينا أن نبحث عن الحب من مصادره الصحيحة، ونحافظ على قلوبنا، في المقالات القادمة سنتعرض لمزيد من تلك المفاهيم.

أعود فأقول حينما أكتب تلك السطور فأنا لا أنكر مدى جمال قصص الحب، سواء كانت أجنبية أو عربية أو أياً كانت ثقافتها، لكن بشرط أن ندعم عقولنا وقلوبنا بالحب الصحيح أولاً فإذا وجدنا الجمال؛ تطبّعنا به، وإذا وجدنا المفاهيم الخاطئة؛ كانت لدينا القدرة على تقييمها وتجنبها. إذَن لنتعلم الحب من الحياة قبل أن نتعلمه من خلف الكاميرات، ساعتها سيتحقق لنا الكثير من الأمان النفسي والتفاهم مع الحياة الحقيقية ونسعَد بالحب.

-كتابة: أمل عثمان.