محمد جلال يكتب :-“وماذا بعد الندم؟!” .

أنا حقًا لا أذكر ما الشيء المهم الذي فعلته في هذا اليوم؟ ما الشيء الذي منعني من الحديث إلى (جدّي) للمرة الأخيرة؟

"وماذا بعد الندم؟!"

لا يتشابه اثنان في شكل العلاقة بينهم، وإن توحّدت كل الظروف الأخرى فستظل مختلفة، وهذا التميّز في علاقة كل منّا بمن حوله هو ما يعطي لها معنى ويُوجِد لها كيان. فنجد كل منّا يُميّز كل شخص بشيء ما، هو فقط من يفهمه ويقدّر قيمته، وقد لا يدرك كل منّا قوة علاقته ببعض الناس إلا بعد أن يفقدهم، فقد أثّروا في حياته أبلغ تأثير بدون شعور منه، ولكنه يشعر بهذا التأثير عند فوات الأوان.

كذلك اليوم الذي أيقظني والدي به -وهو لم يعتد على ذلك- ولكن صوته الحزين المتهدّج، عيناه الدامعتان التي رأتهما عيني للمرة الأولى، هذا الخبر الذي أيقظني عليه، لم يجعل لتك السنين (السبع) التي مرت علىّ منذ هذا اليوم أي معنى، فلازلت أذكر هذا اليوم بكل تفاصيله.

على الرغم من توقّعي لحدوث كل هذا إلا أنّني في هذا اليوم دون عن غيره، أردت ألاّ أسمعه، ماذا كان سيحدث لو تأخر بضع ساعات؟ ساعتين فقط أو ثلاث، كانت ستُحدِث فَرقًا معي.

ما المغزى من حدوثه في هذا الوقت بالذات؟ وعيشي أنا في كل تلك المعاناة التي تتبع الندم على تلك القرارات الخاطئة التي لا نستطيع أن نسامح أنفسنا عليها! وما أكثر تلك الأخطاء! ولكن دائمًا السبب واحد، هو نحن.

ما حدث اليوم هو نتيجة ما حدث بالأمس، وما سيحدث غدًا هو نتيجة ما سيحدث اليوم، تلك هي الحياة يترتب كل شيء فيها على الآخر في ترابط قد لا ندركه، ولكنه موجود. قد يتمكن البعض منا من تفسيره وقد تنتهي حياة آخرين دون أن يدركوا أي شيء.

قبل هذا اليوم عُدت من مدرستي كعادتي، لهو ومرح وتضييع الوقت عن كل تلك الأمور المهمة التي علىّ إنجازها، واكتفيت فقط بالتسويف، فمن بعد ساعة إلى ساعتين إلى الغد، وعندما أتى الغد كان الأوان قد انتهى! فماذا كسبت أنا؟!

أنا حقًا لا أذكر ما الشيء المهم الذي فعلته في هذا اليوم؟ ما الشيء الذي منعني من الحديث إلى (جدّي) للمرة الأخيرة؟

لم يكن بالشيء الهام على الإطلاق، ولكنّه حمّلني كل ما أشعر به الآن. فعل لا أذكره الآن تقريبًا، حوّل جزء كبير من حياتي إلى ندم لا ينقطع ويتجدد مع مرور العام تلو الآخر. هذا ما يحدث لكثير منا دون أن يشعر. يفقد الكثير من الأشياء التي ربما تشعره بالندم في المستقبل لا لضعف منه أو أي شيء سوى أنه دائم التسويف.

ما يمكن إنجازه الآن لا بأس أن ينتهي غدًا ومن غدٍ إلى بعد وهكذا… حتى يجد أن أجله قد انتهى وهو لم يفعل شيء. فقدَ من فقد وندم على ما ندم ولا يزال في مكانه لا يتحرك.

-محمد جلال.