علياء وحيد تكتب :-‎”موتى على قيد الحياة”.

لست مريض، أدرك أني بنظركم مريض لأنكم لا تعترفوا بأي شعور للإنسان سوى الألم العضوي سئمت وجوهكم...

‎"موتى على قيد الحياة"

‎لا أعلم ما سبب الشعور الذي وجدته يتسلل بداخلي حين جلست معي كأني أجلس أمام نسخة أخرى لمن أحببت، هناك القليل من التشابه في الوجه بينهما؛ عينين سوداوتين وأنف صغيرة حادة، -“قطعت تفكيري احك لي ما الذي حدث بينك وبين ضابط الشرطة بالتفاصيل”.
=”حسنًا، ‎تلقينا بلاغ من أكثر من جهة وبعد فترة من المراقبة تم التأكد من الشكوك وإصدار الحكم بالقبض عليك والتحقيق معك”.

-“يحق لي أن أعرف ما هذه البلاغات!”. ‎-“كل البلاغات توجه تهمة “الشعور” لك، وعليك الاعتراف بالجرعات التي تتناولها وإن كان لك شركاء في هذه الجريمة أنصحك بالاعتراف عليهم وسيتم إيداعك بإحدى المستشفيات لمعالجتك”.
-“‎حسنا فهمت الأمر؛ إن كانت هذه تهمتي فنعم أنا لا أنكرها”.
-“هذا اعتراف جيد بالمناسبة يحق لك توكيل محام”.
=”و‎ما فائدة المحامي إن كنتم ستعاملوني كنكرة يجب التخلص منها حتى ذلك المحامي، كفانا مضيعة للوقت ودعك من أمر المحامي سأعطيك من الاعترافات ما يسهل مهمتك لكن أود أن أعرف ما الضرر الذي ألحقته بالآخرين؟”. ‎
-“اتهمك بعض زملائك بالعمل أنك تقوم ببعض الأفعال الغريبة التي تثير القلق العام ومنها أنك تفتح فمك فتحة صغيرة تظهر أسنانك وتضيق عينيك ويظهر على وجهك تعبير غريب كما سمع بعض الجيران صوت غريب كـ “هاهاهاهاهاها”.

‎=”هاهاهاهاهاهاهاها” ‎

-“أعتقد أنهم يقصدون ما فعلته الآن، كما رآك آخرين بعينين حمراوتين ومنتفختين وبعد مراجعة طبيبك لم نجد من حالة مرضية تبرر هذا..فمتي ظهرت لك هذه الاعراض؟”.
= “يوم وفاة زوجتي وابنتي في حادث تحديدًا وأنا أواري جسدهما نزلت من عيني قطرة مثل الماء لكنها لم تكن كذلك استطعت أن أتمالك نفسي لكن حين رحل الجميع بالمنزل ذرفت منهما الكثير لكني شعرت بشعور جيد بعدما انتهيت، أعلم أنه ممنوع لنا أن نفعل مثل هذه الأفعال لكن هذا الشعور جعلني أقرر أن أترك لهذه الأشياء بداخلي أن تخرج بأي صورة لها”. ‎

-“لم تفكر في استشارة الطبيب ليعالجك؟”.
‎”=لا؛ فأنا لست مريض أدرك أني بنظركم مريض؛ لأنكم لا تعترفوا بأي شعور للانسان سوي الألم العضوي أما أي إحساس آخر فلا يوجد، سئمت وجوهكم المصمتة التي لا تتحرك سوى عند تناول الطعام. إنسان بلا شعور تعني أخطاء أقل وتقدم أكثر لكن ما الذي تركناه للآلات، إن كنتم تظنوا أن الانسان لا يتحول إلى آله إلا حين يتحول لمعادن وأسلاك وأشياء أخرى فأنتم حمقي.لا أنوي العلاج”.
‎”-هذا كل ما حدث بيني وبينه، رفعت عيني لها فوجدت الدموع تتررقرق بيعنيها. أنا لا اطلب منك الدفاع عني لم أطلب منهم محامي ظننت أن المحامي سيجدني نكرة أحمق أنا لم أتوقع أني سأقابلك ثانية حين أتيت إلى منزلنا وحكيت لسارة صديقتك وزوجتي أنك “تشعرين” ظننا أنك لن تستطيعي الاستمرار في إخفاء ذلك لكننا تمنينا أن تتخلي عن فكرة الشعور هذه خاصة أن زوجك ضابط شرطة ومن السهل أن يعرف ما الذي تخفيه دون تحقيق”. ‎أخبرتني أنها ليست الوحيدة ولا أنا الوحيد الذي يشعر وأنها تعرف أمثالنا بمجرد ما تراهم وأنه حان الوقت لتتحدث لهم لكي نتحد ونواجه هذا العالم ابتسمت لها، “أتمنى أن تنجحي”.

‎حتي هؤلاء الذين شاركونا بالشعور تمكن منهم إحساس الخوف أكثر فخذلوها، لم أرها ثانية أخبروني أنها اعتذرت عن تولي قضيتي ربما أودعها زوجها مستشفي حتي لا تعدم لا لأنه يحبها بل حتى لا تلحقه الفضيحة. وكَلُوا محاميًا آخر تعامل مع قضيتي على أنها مجرد ورق. ‎ شعر بالأسى علي حالهم وهو يراهم واقفين لا يعتريهم أي شيء بداخلهم. مجرد جثة ستنتقل بنظرهم لكن لا بأس فهو يراهم هم الموتى؛ فإنسان بلا شعور هو ميت على قيد الحياة، ابتسم ابتسامته الأخيرة أحس بالسعادة لأنه سيلحق بمن يحب.