“أأحياءٌ نحن أم ندَّعي ؟!”

وحينما يأتي الصباح تَنْسَلُّ أرواحنا منّا وكأنها تفرُ من أعباءِ واقعنا لنرتدي أحد الأقنعة التي تتناسب مع عالمنا، نَتَنَصَّلُ من حقيقتنا، نُلقي بقلوبنا بأقرب هاوية ونمضي أحرارًا.



يُقال أن الحياة رحلة قد تطول أو تقصر لكنها حتّما ستنتهي، وفي خلال تلك الرحلة تمرّ السنوات فتهدينا الحياة الكثير وتسلبنا ما هو أكثر، نحظى بالكثير من القلوب التي تمنحنا الحب ونفقد أخرى فتتسبب في الكثير من الندوب التي تُوجع قلوبنا، وكما هو الحال لا تسير بنا الحياة على وتيرة واحدة؛ فكل يوم تأخذ ترددات وذبذبات مُختلفة وجديدة.
ومع الوقت تتراكم الخيبات بداخلنا فَتنال مِنا وكأنها تلتهمنا التهامًا.
ويمرّ العام تِلو الآخر نموتُ فيهِ شيئًا فَشيئًا، وحينَ لا يبقَى فينا ما يموتُ، حينها فقط يُقَال: أننا مِتنا حقًا! ولكن هلْ كانَ لزامًا علينا أنْ ندّعِي أنّنا على قيْدِ الحياة؟، هلْ كانَ لزامًا علينا أنّ نصحُو كلّ صباحٍ بِوجهٍ مُشرقٍ بل ونتنّصل مِن تلك القلوب المثقوبة بالفَقد ونمثّلَ أنّنا بخيرْ؟.
هلْ كانَ لزامًا أنّ نعقدَ صفقة بينِنا وبينَ حياةٍ نزهدُ فِيها ليفهمَ من حولنا أنّنا سعداء…سعداء جدًا؟.

ماذا جَنينا سِوى أنّنا أصبحنا أشباحًا لأُناس مفقودة، لقد أصبحنا أكثر هشّاشة، أكثر تيهًا وانكسارًا،
أكثر هشّاشة لِدرجة أنّ كُلّ ما يمرّ بنا يوجعنِا، ويفتحُ شهيّة أهدابِنا على البكاء حتّى بِتنا مَوجوعين حدّ السماء، أكثر تيهًا نفتقد الكَثِيرُ مِنّا ونفقد جزءًا تِلو الآخر من هؤلاء الأطفال الذين يقطنُون داخلنا ومعهم نفقد قدرتنا على الصراخ في وجه كل شيء يؤلمنا، مُنكسرين إلى نصفينْ..نصفٌ يمارسُ موتهُ ونصفٌ عاجزٌ عن الحياة،
كُل ما نستطيع فِعله أنّ نضحك..نضحك كثيرًا لنُري العالم كم نحن أقوياء..لا مُبالين بما يُحدثه فينا الفقد.

نرتدي الكثير من الأقنعه لنواري خلفها ضعفنا وقله حيلتنا ونضع أنفسنا داخل سجن مليئ بالأقنعة، بين الحين والآخر نخلع قِناعًا ونرتدي الآخر، وبين كل قناع وقناع تُسلخ جلودنا وتتشوه ملامحنا.
وحينما يأتي الصباح تَنْسَلُّ أرواحنا منّا وكأنها تفرُ من أعباءِ واقعنا لنرتدي أحد الأقنعة التي تتناسب مع عالمنا، نَتَنَصَّلُ من حقيقتنا، نُلقي بقلوبنا بأقرب هاوية ونمضي أحرارًا، نرتدي ذاكرة جديدة خالية من كل ما يُوجعنا وتختنق حناجرنا بكلماتِ نعجز عن البوح بها، نصبح غرباء عن أنفسنا، غرباء ولكن أحرار من تلك الأرواح المُثقلة بالفقد والوجع، أحرار من تلك الذاكرة اللعينة المليئة بالتفاصيل التي تجلعنا بمثل هذه الحالة من الضعفٍ، وكأن العالم يفرض علينا أن نكون غيرنا في أحيانِ كثيرةٍ، يفرضُ علينا أن نتعامل مع أرواحنا كغرباء، جسد وروح يكرهان انتماءهما لبعض لكن لا يستطيعا الافتراق.

لقد سئمنا يالله؛ سئمنا وبِتنا غارقين بأحزاننا.. باتت أرواحنا موشومة بندوبٍ لا شفاء منها.
فارزقنا اللهمّ سلامًا روحيًا وقلبًا جديدًا، ومعهُم -نحن بحاجة أيضًا إلى- ذاكرة جديدة، نملؤها بِكلّ التّفاصيل الجيّدة، بحاجة إلى البُكاءِ لِـتطهيرِ أروحنا من شوائبِ الحزنِ لا لنُزيد فوق آلامنا ألمًا، فقط نحن بحاجة إلى أنّ يأتِي الصّباحُ ويخبرنا أنّنا ما خُلقنا إلا لنفرح!.
فالآنَ..كُلّ شيءٍ باهتٌ..كُلّ شيءٍ يسيرُ ضدَّ رغباتِنا، كُلّ شيءٍ بات يحتضرْ!.
كتابة : إيمان سمير.
مراجعة :نهاد الفقي.