“لأغوينّه”

اعلم بأنه قد تعهّد بإغوائك، فأنت غايته من الدنيا. واعلم مدى ضعفه، فهو من هو؟ لا نفوذ ولا قوة. أنت من يحدد، هل ستتركه وحيداً فاقداً فيك الأمل؟ أم تكون له خير جليس!



يقف مُتابعاً صامتاً، يرتجِفُ من الخوف، تكاد تُسمَع دقات قلبه المرتعدة، أو ربما تكشف أمره بُحيرة العرق التي تجمعت تحت قدميه من القلقِ وقلة الحيلة -رغم أن الجو بارد-. لا شيء فيه يتحرك سوى عينيه فقط حيث تُتَابع، وربما قلبه -إن كان له قلب-.
حقاً، الأمر أصبح في غاية الخطورة، أصبح لا يُستهان به، لابد أن يتدخل قبل أن يفلت زمامُ الأمر من يده، يا ويله! قد أنهى صاحبه وضوءه واستعد للصلاة.
تتسارع نبضات قلبه ويزداد ارتجافه؛ فقد بدأ صاحبه يفرش السجادة ويتهيأ للصلاة.
“ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟ سيعاقبني سيدي، لن يرحمني” -يُخاطب نفسه سراً-.
رغم ما يرى ورغم ما يحدث أمامه، كان كل ما يملكه هو أن يتابع في صمت، لا يستطيع حتى أن يواجهَهُ أو أن يؤثّر عليه ليمنعه.
أثناء انشغاله هكذا وتوتره، ومحاولته تدارُك موقفه -الذي لا يُحسدُ عليه-، كان صاحبه قد بدأ في الصلاة.
” الله أكبر” سمعها منه وكأن طنيناً أصاب أذنيه، طنيناً لا يمكنه احتماله، بالرغم من غلقه أذنيه.
هل سيتركه يُكمل ما بدأه ويستسلم لضعفه ويدرك مدى قوة صاحبه؟ أم سيفكر في شيء ما؟ أولم يُقسم من قبل “لأغوينَّه”؟!
يستجمع قِواه، يحاول أن يُهدّئ من روعِ نفسه، محاولاً التفكير في أمرٍ ما. صمتَ كثيراً، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة، كتلك التي تجدها على وجه أسيرٍ طال أسرُه، وقد وجد أخيراً سبيله للخروج.
ماذا قرر؟ ولماذا بعد أن كان يرتجف ووجهه مُصفراً ويتصبب عرقاً أصبح يبتسم هكذا؟
ما زال متابعاً. الآخر يُصلي وهو ما زال متابعاً.
لم يكن الأمر مفاجئاً حين أنهى الصلاة وبدأ يختمها بما تيسر من الذكر والدعاء. يبدو الأمر حقاً وكأنه عادة، إذاً خسر هذه المعركة وفاز صاحبه.
لم تكن هذه الابتسامة التي كان قد صنعها، سوى تلك التي يُشاع كونها تقلل من فرحة المنتصر، عندما يرى غريمه الذي عانى من أجل هزيمته يبتسم…ابتسامة حمقاء.
يرفع السجادة ويطويها واضعاً إياها على طرف كرسي في أحد أركان الغرفة. يذهب متجهاً إلى سريره وهو يحاول تدفئة يديه بحكّهما معاً، قاصداً بطانيته التي قام بفرشها، ثم تمدّد آخذاً وضع النوم، دون أن يظهر منه سوى وجهه، فالجو كان جداً بارد.
أما هو، فقد بقي على حاله متابعاً صامتاً مع ابتسامته البلهاء، يبدو أن توقعي كان صحيحاً تماماً، لا شيء سوى استسلامه. ولكن انظر ماذا يفعل؟ إنه يتحرك باتجاهه.
ألم يستسلم بعد؟ الأمر قد انتهى. أنهى صاحبه صلاته وذهب لينام. ماذا يريد الآن؟
وصل إليه وبدأ يُحدِّثه.
فجأة، فزَّ صاحبه من سريره، يفرُك عينيه بيديه؛ ليُذهِب عنه النوم. يُضيء الغرفة مرةً أخرى، يمسك سجادة الصلاة. يفرشها، يرفع يديه عند أذنيه “الله أكبر”.
أحقاً ما أراه! أيوسوِس إليه ليقوم من نومه ومكانه الدافيء لكي يصلي قيام الليل؟ ماذا يفعل هذا الماكر؟
يتابع الصلاة، ركعتين تليهما ركعتين، والآخر فقط يتابع ويبتسم.
“يكفي اليوم فقد كان العملُ بالنهار شاقاً، لابد أن أستريح حتى أتمكن من القيام لصلاة الفجر” -يُحدّث نفسه-.
ما أن همَّ بالقيام من فوق سجادته، حتى هرول إليه يُحدّثه. أمرةً أخرى! أمرةً أخرى يوسوس إليه بالخير! أم بالشر هذه المرة؟!
يا إلهي، إنه يَهُم بالصلاة مرةً ثانية.
يستمر في الصلاة ويبدو أن الخطة تسير كما رتّب لها هذا الماكر بالحرف. ولكن أي خطة هذه التي تجعله يوسوس بالخير! وأي خير، إنه قيام الليل!
يتابع الصلاة، يستريح أحياناً، يقرأ في مصحفه مرة، يدعو رافعاً يديه مرة. الوقت يمر، يقترب الفجر دون أن يشعر، حتى سمع قرآن الفجر المشهود.
الأمر أوشك على النهاية. سيُصلي الفجر ويعود إلى سريره وبطانيته وسينام معلناً انتصاره.
أين الخطة؟ هل فعلاً وسوس إليه بالخير لكي يصلي قيام الليل ويقرأ القرآن بدلاً من أن ينام؟
يبدو الأمر وكأنه قد جُنَّ جنونه من فرط ضعفه وإيمانه بقوة صاحبه، فأصبح يهذي ويَحضّ على أشياءٍ عليه منعُها!
سينتهي الأمر الآن ويعود كلُ شيء لما كان عليه.صوتُ عصافير، مُصحف مفتوح ومقلوب على وجهه، سجادة صلاة مفروشة اتجاه القبلة، نور يأتي من فتحة الشباك قاصداً وجهه. يفتح عينيه على مضض وهو يقاوم هذا النور، ليفزَّ فجأة من سريره نافضاً بطانيته، وكأنه استوعب شيئاً ما. لا شيء على لسانه سوى “كم الساعة؟ كم الساعة؟”
أما الآخر فقد كان على حاله متابعاً، صامتاً، ومبتسماً. لكنها لم تكن ابتسامة بلهاء هذه المرة، كانت تشبه تماماً ابتسامة النصر. فقد ترك صاحبه صلاة الفجر التي كان مُعتاداً عليها منذ سنوات، ولم يفوِّت فرضاً منها. فبعد أن أنهك نفسه في قيام الليل (السُنَّة) إلى أن سمع قرآن الفجر، ليُقنع نفسه ساذجاً بأنه سيمدد وحسب ليريح ظهره بُرهة من كثرة ما صلَّى، حتى نام نوماً عميقاً؛ ليصحو وهو بالكاد يحاول أن يتدارك الموقف ويفهمه.
قد غامَر هذا الشيء، وعلّق بيده حبل مشنقته. فقد وسوس له بالخيرِ وهو المخوَّلُ بغير ذلك تماماً.
فقط، حسبُك أنت…لعينٌ هو. لا تتخذه صديقاً، لا تسمع له، فما يُدريك أنَّ بعد اليوم بَعد؟
ماكر لا يتعلم الشر؛ فهو في عروقه. هو من يُعلِّم الشر، سِمسَارُ چَهنم.
اعلم بأنه قد تعهّد بإغوائك، فأنت غايته من الدنيا. واعلم مدى ضعفه، فهو من هو؟ لا نفوذ ولا قوة. أنت من يحدد، هل ستتركه وحيداً فاقداً فيك الأمل؟ أم تكون له خير جليس!
لا تتركه يحركك. قُم أنت بهذا الدور.
اجعله يرتعد بطمأنينتك، اجعله ضعيفاً بقوتك. اجعله يؤمن بإيمانك ويكفر بكفرك.
اجعله ينتحر.
-أحمد مصطفى.