نهاد الفقي تكتب :-“قبل أن أعمى عن بقية الطرق”.

ليتني أدركتُ ذلك منذ البداية؛ فلكلٍ منّا نهاية محتومة ليس لنا مفر منها...وها أنا أهرول إليها منذ زمن، ليتني اختصرت الوقت...فقد كان الحل دائماً أمامي.

"المرض النفسي من وجهة نظر اجتماعية"...سلسلة "الظلام المرئي" من ثلاث مقالات بطريقة مختلفة.

لم أدرِ ما يحدث معي، فقط كنت أجد نفسي أفرط في البكاء فجأة وبدون سابق إنذار. أبحث عن السبب ولا أجده، فقط ضيق شديد يجثم على قلبي يجبرني على ذلك. لاحظت أن هذا غالبا ما يحدث في الليل، استمر في البكاء إلى أن يغشاني النوم، حتى أصبح ذلك من طقوسي لفترة. فقلت ربما السبب كوني وحيداً بعض الشيء؛ ولكني تذكرت ذاك اليوم حين كنت مع عائلتي في زفاف إحدى بنات العم، كان البعض يرقص وآخرون يصفقون في نشوة غريبة.
انظر للجميع فأجد الكل تغمره السعادة.إلاي…أجلس في هدوء أراقب الوجوه من حولي حتى ظننت لوهلة أنني غير مرئي بالنسبة لهم. حتى لم يقوموا بدعوتي للرقص معهم كما فعلوا سوياً.
حسناً… أعلم أني أرقص كبطريق، ولكن ما ضرر بطريق يتمايل يمنةً ويسرة على الإيقاع في هدوء!
أنظر للجالسين حولي على الطاولة، فأجدني بين كبار العائلة. الكل يرقص، وأنا هكذا أجلس بينهم كأرملٍ فقد لتوه رفيقةَ دربه. حينها لمعت في ذهني صورة حبيبتي في لقائنا الأخير، حين كنا نتعاتب وأخبرتني، أني في الحب كعجوز يشرف على السبعين. أظنني أفهم الآن مقصدها.
بالنظر لحالي بعد ذلك كنت أظنني تحسّنت. لا مزيد من الدموع الآن. ولكني أصبحت غير مبالي بأي شيء…لا يستهويني أو يُثير دهشتي شيء. كنت قد اكتفيت من المشاجرات داخل المنزل ومن الجدالات والنقاشات الغير مجدية خارجه.وهنا بدأ عقد روحي بالإنفراط…
لم أعد ألتقِ أصدقائي، أو لنقل أصبحوا يتحاشون مجلسي، فحسب قولهم؛ أحكم عليهم الملل من شكواي وأحاديثي التشاؤمية، و”ثُم إن الدنيا مش ناقصة كآبتك يعني”.
شيئاً فشيئاً أهملت الدراسة. أصبحت شرهاً في التدخين، وأنا الذي لم أضع سيجاراً في فمي يوماً.
يا إلهي…أعلم أني لست بخير ولكن ما الحيلة! حين تتألم ولا تستطيع الشكوى، من جهة لعدم قدرتك على وضع يدك على جزء بعينه في جسدك وتقول ها هنا وجعي، ومن جهة أخرى.. كيف سيتفهّم من حولك معاناتك إن كنت أنت لا تفهمها؟! فتحدّثك نفسك “أنت لست بخير”، ولكن تكذبها؛ فأنت لا تدرِ حقاً ما بك. ومن هنا يبدأ التشويش والخلل داخلك.
(2)
“إذاً فلتبق وحيداً. محاطاً بأفكارك المزعجة. لا تخرج من غرفتك ولا تُري عينيك النور. لستَ بحاجة لمن تتحدث إليه فلن يسمعك أحد. اكتف بموسيقاك واصمت. انظر لماضيك وأخبرني ماذا صنعت؟ ما المشكلة التي سيسببها غيابك؟ ماذا فعلت لمن حولك ليُشفق على رحيلك؟ بل أجبني لمَ ما زلتَ على قيد الحياةِ حتى الآن! أنتَ.. لاشيء”.
هكذا كان يتردد الصوت داخلي كبركان يثور.
كدت أستمع إليه يوماً ولكني تذكرت وجه أمي الباكي فأشفقت عليها. أرى دمعها على حالي كل يوم “حصل له إيه بس ما كان زي الفل!” لتجيبها جدتي كالمعتاد “دا أكيد حد عامله عمل، ولّعي بخور في البيت ودايماً شغّلي قرءان”. كنت أسمع تلك الثرثرات؛ فيصمتن حين يلحظن اقترابي. أستشيط غضباً فلا أشعر بنفسي إلا وقد حطمتُ بعض الأشياء، وحين أنصرف عنهم أسمع جدتي تقول بصوت خافت “مش قولتلك عمل!”.
لم أعد أقوى على الشجار كما قبل، فقط لم أعد مبالياً بما يقولون. أريد لأحد أن يستمع لشكواي لا أن يتهمني بالمس. كنت استيقظ عادةً على رائحة الدخان تملأ الغرفة وجدتي تتمتم بآيات القرءان حولي. اقضي الآن بعض وقتي -اللامحدود- في القراءة عن (ڤان جوخ)، متشابهان نحن على ما أظن؛ إلا أنى لست ببراعته أبداً…أعلم. منذ أن قرأت رسالته -قبل انتحاره- لأخيه (ثيو)، وأنا لا أستطيع الكف عن تكرارها؛ حتى أصبحت كلماته -بصوتي- تتردّد باستمرار في أذناي. “عزيزي ثيو.. إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ إنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة، إنني أتعفن مللاً لولا ريشتي وألواني هذه، أعيد بها خلق الأشياء من جديد. غليوني يشتعل، التبغ يحترق والحياة تتسرب. للرماد طعم مر، بالعادة نألفه ثم ندمنه؛ كالحياة تماماً. كلما تقدم العمر بنا غدونا أكثر تعلقا بها. لأجل ذلك أغادرها في أوج اشتعالي. ولكن لماذا؟ إنه الإخفاق مرة أخرى. لن ينتهي البؤس أبداً وداعاً يا ثيو. سأغادر نحو الربيع…”
لا أنكر. فكرت في الانتحار كثيراً أنا الآخر. لكن الأمر يتطلب شجاعة كبيرة ليست لديّ. أمسكني أبي يوما أجرح جسدي؛ كنت أفعل ذلك لأنه يشغلني قليلاً عن ألمي النفسي. لا أنسى وقتها نظرته إليّ، لا يمكنني وصف إلى أي مدى شعرت بالصّغر والحقارة والضعف. حينها تمنيت حقاً أن لو تنشق الأرض وتخفيني داخلها. من يومها وصرت –بالإكراه- أتردد على الطبيب كثيراً.
أُدرك أن تعبي لن يشفيه طبيب -لا شك عندي في ذلك- “أنت اللي ف إيدك ترجع شخص ناجح زي ماكنت، أنت اللي في إيدك ترجع سليم زي الأول، انتظم أنت بس في الدوا في مواعيده”.
كنت أسمع ذلك وأحدّث نفسي “أي طبيب هذا الذي يصدر منه هكذا هراء!”.
ازدادت حالتي سوءا؛ فدوائي لست منتظماً فيه، أستيقظ على كوابيس لا أكاد أحصيها. مازال صوت (ڤان) يتردد على مسامعي. أراه الآن في منامي مُمسِكاً أذنه بعدما قطعها.ها هو يقدمها لتلك الثرثارة.
قابعاً في تلك الغرفة خافتة الإضاءة؛ ها هو يلوّن صورته من جديد. قبالته أقف.. فينظر إليّ بين الحين والآخر كأنه يتحقق من تفاصيل وجهي.. وبعينين غائرتين يشيح بنظره عني ليُكمل ما بيده.
ها أنا أجرح نفسي أكثر في الخفاء. أرتدي من الثياب ما يُخفي تلك الندوب والجروح. أسمع أنين أمي بعد صلاتها وأرى أبي يربّت على كتفيها. صرت أشفق عليهما، وأشفق على نفسي أكثر وأتساءل.. ما الذي اقترفتُه أنا ليعذّبني الله بأن أكون أداةً لإيلام أحبتي إلى هذا الحد! هم يستحقون أن يسعدوا، لا أن يعيشوا معيَ هذا العذاب.
إذا لأضع حداً لهذه المعاناة. فلربما حانت لحظتي. صرت قليلاً ما أجلس وحيداً في غرفتي. أصبحت أتحدّث مع عائلتي بشكل أكبر وأتفاعل معهم أكثر.علامات الدهشة بادية على وجه أمي. تلك النظرات هنا وهناك بين عائلتي، لم تلبث أن تحولت لعلامات اطمئنان. ربما كانوا في أشد الحاجة لتصديق ما يبدر مني الآن، يطوقون لإشارة تخبرهم أني قد عدت كما كنت. فها هي ابتسامة أمي لا تغيب. تبدو وكأنها موقِنة أنّ ابنها عاد إليها من جديد. هكذا ببساطة.
حسنا.. يبدو الوضع قد عاد طبيعياً لهم كما كان.لذا أظن الوقت حان؛ ليرتاح الجميع. وليخمد هذا الصوت داخلي للأبد.ليتني أدركتُ ذلك منذ البداية؛ فلكلٍ منّا نهاية محتومة ليس لنا مفر منها…وها أنا أهرول إليها منذ زمن، ليتني اختصرت الوقت…فقد كان الحل دائماً أمامي.فالآن فقط صرت أعرف فائدةً لكل تلك الأدوية الملقاة جانب سريري. الآن فقط. أملك من الشجاعة ما يكفيني لفعلها…

-كتابة: نهاد الفقي.