“مبروك يا ريس”.

فلا تسألني لماذا فقدت الحماس بالتمسك بالأحلام وهذا الأمل بهذا الوطن فأنا أخشى أنْ أُفقِدُكَ أحلامَك بحديثي.

كل أرض ليست محتلة لا تعني بالضرورة وطن غير محتل.

أحببتُ أنْ أُبارك له حريته حتى لا أموت قهرًا على هؤلاء الذين ماتوا رغبةً في حرية هذا الشعب المستكين.
وأنّي مللت الحديث عن الدم الذي سال، وذلك الحماس بالكلام وأنا أُدافع عن هؤلاء الموتى، وصوتي الذي يعلو، والكلمات التي تتدافع من داخلي بشدة حتى تنحشر بحنجرتي، وتلك الدموع التي تترقرق حسرةً حين يقع سمعي هذا الذي يقول عنهم “عيال” وأُفكر حتى وإنْ أخطأ العيال؛ أيكون عقابهم حرمانهم من الحياة.
لم أحب السياسة يومًا، كرهتها يوم أبصرت مشاهد القتل في فلسطين والعراق في طفولتي، يوم بكيتُ ورأيت أمي تبكي أيضًا دون أن تحاول الاختباء من عيناي، وعرفت أنْ ما يحدث هو سياسة وأشياء لا يستطيع عقل تلك الطفلة -التي كنتها- فهمه، وتردَدَت كلمات عن هيكل وأسلحة دمار شامل وتساءلت أيكون البحث عن سلاح الدمار بهلاك الناس؟، أهذا بحث أم هو عينه الدمار!
وانتظرت أن أرى هذه الأشياء التي تُبرر القتل، الذبح، بكاء الشيوخ ومناظر الأطفال الموتى التي لم تُغادر ذاكرتي، وكبرت ولم أرى لا هيكل ولا أسلحة دمار، وخفت كثيرًا أنْ يحدث بنا ما يحدث هناك وطمأنت نفسي أن القتل فقط يحدث في هذه الأراضي ونحن بخير طالما لسنا مُحتلين.
ومرت سنين وخوفي يظهر ويختفي، وأتت ثورة يناير ورأيت مشاهد مشابهة للقتل في فلسطين والعراق، وتساءلت بسذاجة الأطفال إذن أين الاحتلال ليُبَرَر القتل، وأدركتُ أنَّ ذلك الاحتلال ليس شرطًا أنْ يكون من شعوب أُخرى، ويمكن للشعب أنْ يُقرر احتلاله بالتنازل عن حقوقه وألَّا يتدخل في شِئون الدولة بحجة أنه لنْ يفهم مثلهم، وأنَّ كل أرض ليست محتلة لا تعني بالضرورة وطن غير محتل.
قُتِلَ من قتل ومات من مات وبكينا ومَلَأَنا الحزن حتى جاء اليوم الذي رأيت فيه (علاء وجمال) في مباراة، ثمَّ (علاء) في عزاءِ اللاعب (محمد أبو تريكة) والحقيقة أني ليس لي معرفة بكُرة القدم لأسرد إنجازاته، لكني كنت أري هذه السعادة وبهجة احتفالات الناس بالشوارع، وهذا ما فعله (أبو تريكة) أسعد الشعب المصري ليصنف إرهابيًا ويفر للخارج من هؤلاء الذين فقدوا عقولهم لِيَطاردوا من أسعدنا ويُبَرأوا من بسببِه قُتل الكثير.
وأقبلُ أنْ أتهمه بالإرهابي؛ إنْ عرَّفتم الإرهاب في معاجمكم بأنَّه إسعاد البشر.
والإرهاب حقًا حين أُريد أنْ أُخرج ما يضيق به صدري مما أراه من ظلم وفقر ومذلة؛ فينصحوني بالصمت؛ حتي لا يأتي من يأخذني من بيتي ليبحثوا عني في سجونكم ويجدوني ميتة، وأنا لا أخاف الموت لكني أخاف حزن أبي وأمي فأصمت رفقًا بقلوبهم.
ولن أتعجب غدًا إذا رأيت الاحتفالات من البعض في الشوارع احتفالًا بحرية رأيسنا الوقور فقد تعديتم كل مراحل المفاجآت.
فلا تسألني لماذا فقدت الحماس بالتمسك بالأحلام وهذا الأمل بهذا الوطن فأنا أخشى أنْ أُفقِدُكَ أحلامَك بحديثي.
-علياء وحيد.