“قبل أن يأكلنى المرض”.

"المرض النفسي من وجهة نظر اجتماعية"...سلسلة "الظلام المرئي" من ثلاث مقالات بطريقة مختلفة.



“قبل أن يأكلني المرض”
في كل مرة يسألني عابر “ما بك؟”،
ذلك التجاهل لأيامي وأحداثي وتخبطاتي المتوالية،
تلك التراكمات التي تتكتل داخل روحي حتى أنها تشكلت كمنحوتة عريقة لفنان تشكيلي محترف…فأُفَضِل الكتمان، ألّا أبوح بمشاعري وغصّاتِ قلبي، وأرفض الاعتراف بها حتى بيني وبين نفسي، كجانٍ يخشى الاعتراف أمام قاضٍ شرس قد جُرِدَت منه المشاعر؛ فأكتفي بأن أقول إنه مجرد شيء وسينتهي، إنه مجرد شيء.
“عندي مشكلة” تلك في الغالب أول الكلمات التي ستربح السباق وتقطع شريط النهاية المربوط عند نهايتي شفتيك، إنه لشيء عسير حقًا؛ ولكني سأُحَدِثُكم عما أشعر به وبدايةً أنا لست بخير.
نعم أشعر بها وأنتم لا تشعرون، تؤلمني أيامي ويُمزِّقُني عالمي الذي خُيَّل إليه أنه العالم الذي لا يُعصى، تربته الخصبة تكمن في نفوس ضعيفة ليسيطر عليها أمثالي.
فكنت أنا وكان زماني.
أشعر بدقات قلبي تؤلمني، يتخبط بين أضلعي كالسِّكِّير الذي فقد عقله يريد الفرار، يريد الخلاص، باتت تلك الضربات أقوى مما يجب ولا أستطيع أن أتحمل أكثر.
تتوالى الأحداث وأنا أمر عليها مرور الكرام، تجرني عقارب الساعة لأن أتحرك معها، أُسحب كما تسحب البضائع وحقائب السفر.
أتجرع لذوعة الأيام بهدوء مستفز.
سنون لا أتذكر ماذا فعلتُ بها، لهذا التشابه في أيامها إلى الحد الذي أعجز عن أن أفرق بينها، فالغد ما هو إلا أمس بتاريخ جديد.
التكرار ليس بالضرورة يعلِّم، إنه أحيانًا يقتُل، وما حياتي إلا لحظة أنهكها التكرار؛ فلم تكن تلك سنون أقضيها بل تقضي عليَّ.
إنني خائف…خائف يهوى الهروب.
دوائر…دوائر كثيرة مفرغة تتداخل وتنتظم، الأصغر فالأكبر والأكبر فالأصغر وأنا هو المركز، تلك النقطة بالمنتصف التي لا تكاد تراها.
أصبحت تلك الدوائر هي عالمي، أدور بداخلها ومعها دورانًا جنونيًا مرهقًا يأخذني معه في كل مكان دون أن أُبدي مقاومة، ثم أفيق لأجد نفسي ما زلت لم أتحرك، ما زلت هنا في نفس النقطة.
أتعبتني كثرة المحاولة، استنفذت كل شيء، اختفى كل سبب للسعادة، دون أن يترك لي سبب لاختفائه.
فأما عن الأحلام…تلاشت، أو ربما ضَغُطَت في ممر ضيق، إنها الآن لا تستطيع أن تتنفس.
وتلك البنايات التي طالما صعدت بها إلى حد السماء أو ربما أكثر…تحطمت.
الأقربون والأولى بالمعروف لم يعودوا كذلك، قد تخلصتُ من كل رأس به أنف يتنفس وقلب ينبض ليمنحه الحياة، تلك الحياة التي بِتُ أجدَها شيئًا مملًا رتيبًا أكثر من فيلم قديم بدون صوت، بِتُ أمقت أي شيء يتلبس تلك الصفة.
(قد خسرت كل شيء يمنحني الحياة)
جسد يتحرك على قدمين وبنزين مصطنع، أذهب كل صباح لأعود كل ليلة.
أقوم بما يقوم به أصحاب الروتينيات المملة، طريق معلوم الملامح منذ بدايته، عندما يتحد معه مرض لعين يسلب منى كل ما كان من الممكن له أن يؤمن ظهري، ويتركني أعزل أمام فشل يحاصرني من كل اتجاه وفي كل مجال، إنه ذلك الفشل المتكامل الذي يلقي بك إلى الانتحار.
الانتحار شيء قد تَقدُم عليه بكل إصرار، لكن يمنعك ضعفك، ذلك أنك تفتقد تلك الشجاعة التي تنهي كل شيء.
أعترف، أصبح كل ما يحوطني موجعًا، تأكله روحي، وتتلذذ بآلام الموت البطيء إنني أحتضر.
لا، أنا حقاً لست أعلم ماذا بي…لست أعلم.
مرَّ كل ذاك في خاطري ولم أنطق بكلمة.
وقد خرجت كلمتين من فمي، لأجيب على طبيبٍ نفسي ذهبتُ إليه سراً في لحظة تحمِل كل معاني الموت:
“عندي مشكلة”.
لجأتُ إليه عندما خشيتُ من دنو نهايتي على يدي.
أن أذهب لطبيب نفسي تلك خطوة أبدًا لم أضعها في حسباني، لكن الخطر كان أكثر رعبًا بالنسبة إلي من انفراط عقد آلامي المخبأة أمام شخص لا أعرفه ولا حتى أرغب في ذلك.
أحسست بالاحتياج! فليساعدني أحد من كان!
(2)
الاستمرار في شيء كهذا دون أن تستوعب حتى أنك غارق فيه حتى فتحتي أنفك، سيصل بك في النهاية إلى غرفة مظلمة، تحاول فيها أن تغلق عينيك الثقيلة، لربما ينهار عقلك بضع ساعات، ليتركك في سلام.
ذاك هو المرض النفسي: هو ليس مجرد حزن عابر، إنه اكتئاب مميت، هو مرض.
لكننا لا نعيره انتباهًا نظرًا لانتشاره، على أنه حالة مزاجية لشخص متقلب المزاج، قد نسي مفاتيح سيارته، أو فتاة كُسِرَ ظافرها.
الكثير من الناس يمشون في الطرقات كمجموعات نمل متراصة، تتخبط بأصابع البشر العملاقة، دون حتى أن يدركوا أنهم مرضى، سيتكاثرون ويسيرون كيفما تقذفهم الحياة، سيُحطَمون ويُحطِمون، وتلك فاجعة أخرى تهدد الكوكب غير أمواج تسونامي.
وذلك أن الإحصائيات تشير إلى أن معدلات الانتشار الفعلية “للاضطرابات النفسية” تتراوح ما بين “65% إلى 85%” وبصورة أبسط فإنه من بين كل ثلاثة أشخاص يعاني أكثر من شخص من أحد تلك الاضطرابات.
المرض النفسي كأي مرض، قد يكون معديًا أو لا، ما يَهُم هو أن تكون على دراية كافية، لأن تدرك وجوده، إذا ما أحسست بتسلل قدمه المُقدِمَة على سرقة روحك المتوهجة.
روح في طريق الهلاك، نفس تتآكل وذاكرة على حافة النسيان، تاريخ صلاحية أوشك على الانتهاء.
إذا ما وجدت أنك قابع في ذاك البئر المظلم؛ عليك وحالًا أن تنادي طلبًا للعون!
ليس عليك حرج، لا تريد أن تقضى ثلاثمائة عامًا في كهف أو أيامًا في بطن حوت!
تحتاج إلى يد المساعدة، لا تستمع إلى وساوس ذلك المرض والتي توهمك أنك ستبقى هكذا حتى يأتي أجلك أو أنه لن يقدر على مساعدتك أحد أو أن لا شيء سيحدث فارقًا.
وعيك بمرضك سيحدث فارقًا، مواجهتك له، إعلانك أنك القوي أنك لن تستسلم له، مصارحتك لنفسك والإسراع لإنقاذها سيحدث فارقًا.
إنك بحاجة إلى مساعدة، تلك الوحدة تأكل روحك قطعة قطعة لتتركك بقايا غير قابلة للحياة.
ربما صديق، شخص قريب، طبيب نفسي، إن لم يساعدك فقد استمع إليك ليشاركك ويقاسمك، ينشطر الألم فيقل الأثر.
اسمح لنفسك بأن تتحدث تُخرِج ما قد خبئ في أعماقها واستوطن، هناك في الخارج ما ينتظر أن تأتي إليه، هناك قشة يمكنك أن تتعلق بها، هناك لحظة عندها ستفيق من تلك الغيبوبة الطويلة.
موتك لم يصبح “إكلينيكياً” بعد.
الاستسلام لن يقوم بتحويلك إلى ما كنت تتمنى يومًا، أما الإدراك فسيفعل.
لا تدفع أبدًا الثمن من روحك وحياتك الضائعة، والتي لم ينبغي أن تضيع يومًا.
لماذا دائمًا ما نحتاج، ننتظر، نتعب، ونضعف إلى أن نسقط؟
يُمكننا أن نختار الصمود، أن نغير الطريق، أن نجد أنفسنا التائهة، أن نصل إلى ما يمنحنا الحياة.
المرض النفسي من الممكن أن يكون أقوى من روحٍ منهكة، إذا لم تواجهه فسيأكلها أكلًا.
وتلك المشكلة، قد لا تعني فقط أنك تعاني، ولكن أيضًا أنك الآن تقف على حافة الضياع، تدعى بالمرض النفسي.
كتابة: سلمى حربة.

  • Salma Harbanullnull