“هو قريب لكنهم أقرب”

أننا يجب أن نبقي فكرة الموت بقرب كل أفكارنا طوال الوقت، خاصة إذا ما اقترنت تلك الأفكار بآخرين، وتحديداً أكثر...بآخرين يحبوننا ونحبهم.



آخر مرة دخنت سيجارة ظللت ممسكًا بها حتى لسعت أصابعي؛ ذلك لأني أحبها وأني كنت قد انتويت جعلها آخر واحدة سأدخنها قبل التوقف عن تلك العادة.

نادرًا ما أُمسك وردة، لكن حين يحدث ذلك أعلم أنها ستذبل قريبًا وتموت؛ فأحاول استنشاق عبيرها حتى أشعر في بعض الأحيان أني سأفقد حاسة الشم.

لو أنَّك من محبي الطعام، لو من هواة السفر، لو من المهوسين بالقراءة؛ لتذوقت كل ملعقة من كعكة وحيدة متبقية بكل حاسة التذوق لديك، لأمضيت الليلة الأخيرة من سفرك مستيقظًا ورفضت النوم؛ لتستمتعَ بالساعاتِ الأخيرة في هذا المكان، لقرأت كل كلمة من كتاب ممتع جد الإمتاع ولأعدت قراءة فقرات وربما صفحات قبل أن تنهيه.

الفكرة في التغيُّرِ الذي يقلب كياننا حين ندرك مآل شيء نحبه إلى زوال…نعم، نمنحه كل ما لدينا ظانين أننا قد نمتص كل جماله فيُعَوِض علينا حزن انتهائه…وهو شيء، فما بالك بإنسان؟!

لن تدرك مدى الجمال الذي يملكه إنسان واحد يحبك حتى تجرب الوحدة فتكاد تقتلك حرفيًا، حينها فقط ستبصر أنَّ كل ذلك الكون قد ينطوي في قلب إنسان واحد يخلص لك ويحبك…لكن المأساة أننا ننسى سريعًا المصير الذي ينتظر كل واحد فينا، رغم أننا لا ننساه وهو نفس المصير الذي ينتظر الوردة والكتاب والرحلة…ربما لأن متوسط الوقت الذي يفصل بين الإنسان الذي نحب والموت مساويًا في تقديرنا للوقت بيننا نحن والموت، ربما ولكن هنا لن نتحدث عن الأسباب بل عن ذلك المتوسط الذي نهمله.

– لو أنَّك أُخبرت أنَّ صديقك فلان سيموت بعد عدد من الساعات ماذا ستفعل؟
لن أفارقه، سأضحكه، سألعب معه، سأدعه يتحدث عن مشاعره، لو استطاع الحركة سأسافر معه…إلى آخره.

– لو أنك أخبرت أنك ستموت بعد عدد من الساعات ماذا ستفعل؟
سأقابل كل من أحبهم، سأخبرهم أني لطالما أحببتهم، أني حاولت ألا أخذلهم لكن عيوبي غلبتني، سأعتذر لمن أخطَأْت ومن لم أخطِئ بحقهم حتى، سأمنح المقربين جدًا هدايا ليتذكروني أو سأمضي معهم كل وقتي المتبقي…إلى آخره.

لم يبق سوى سؤال وحيد لا يزال بغير إجابة: ألا تعلم أنك ستموت فعلًا بعد عدد من الساعات؟ والآخرين أيضا؟!

إذاً ما الذي يمنعُكَ من فعل كل تلك الإجابات التي عددتها؟، قد يبدو الأمر صادمًا لكن عليَّ تعديل السؤال وأُعيد عليك ما تعرفه مسبقًا وهو أن عدد الساعات هذا قد يصبح دقائق، بل الأَمرَّ من ذلك أنْ يصبحَ ثوان!

نحن نتناسى تلك الحقيقة -حقيقة قرب الموت- وهذا طبيعي لِئَلا نحيا في خوف دائم، لكنَّ النسيانُ التام هو ما يخلق آلاف الأشخاص الذين لا يستطيعون الخروج من دائرة الذنب والندم؛ لأنهم لم يستثمروا وقتهم مع أحبائهم قبل فراقهم، أو أنهم كانوا يومًا ما سببًا في حزنهم…يمكنك أنْ تشعر بالندم يأكل قلبك على أشياء اقترفتها لكن تستطيع بطريقة أو بأُخرى الحياة بعدها وربما إصلاحها مهما بلغ ثمنها لكن الندم الذي يجمعك مع شخص ميت هو الأقسى والأفظع على الإطلاق.

الحل يكمن في الجملة التي سبق وقلتها، وهي أننا يجب أنْ نبقي فكرة الموت بقرب كل أفكارنا طوال الوقت، خاصة إذا ما اقترنت تلك الأفكار بآخرين، وتحديداً أكثر…بآخرين يحبوننا ونحبهم.

نحن ذوي أنفس قوية بما يكفي لنتحكم في أي الأفكار نريدها وأيها نرفضها، صحيح أننا لا نستطيع فعل ذلك بشكل تام، لكن نستطيع على الأقل تذكر فكرة الموت من حين إلى حين، بل يكفي أن تذكرها نهاية كل يوم، وتذكر معها أولئك الذين تحبهم حد الامتلاء بحبهم، حينها لن يبقى أمامنا سوى خيارات…خياراتنا:
إما أن نمتص كل عبيرهم قدر استطاعتنا أو أن نبقى أحياء مع ذكرى مراقبتنا لهم فقط وهم يذبلون.


إلى (مريم وليد البطاوي)، طالبة كلية حاسبات المنوفية وإحدى ضحايا حادث نويبع.