أحمد أسامة الدعوشي يكتب: “حينما شرد ذهني قليلا”

عندما يحين الظلام، أيهما في واقع الناس أم ذلك الذي فقط في داخلك، عندها تأبى جراح الخيبات عليك إندمالا فتذرف الأحلام دماءا، تروي بها أراض الخيال الخصبة؛ تطلق العنان لخيالك، فتحصد تحقيقات وهمية!



ما بين غمضة عين وانتباهتها، ما بين الأحداث، بين اللحظات وأشباهها، وبين السراب وإدراك أنه سراب، وعند توالد الأوقات من الأوقات، في ثنايا النيَّات، حديث النفس الخفي، ذلك الهمس، ما يُقال في خواطر الكل والبعض واللوائي اللواتي والذين قد أدركتهم كلماتي وهؤلاء من لم تدركهم لحين الزوال!.

وفِي نهايتي للمغازلة وقبل المداولة، في ذلك الوقت من الحياة الذي تسرب من الزمن فأوقعنا في برازخ الشرود وترحال الخيال؛ وجدتني وقد انتحلت كل شخصيات رسمتها أوهام الحقيقة أو الأوهام الحقيقة مثل “السكارى الثمال” أنظر فلا أرى أُدقق وأتمعن حتى يأتيني البصيص شيئًا فشيئًا فيتحول نورا وصورة وإني لأستطيع أن أراني الآن ممتطي الخيال وخلفي جرار الجيش أتقدمهم وأشهدهم أنك لا إله إلا أنت، وأبثُ فيهم بثاً.

أيا الجيش أأرباب متفرقون خير أم الله ورسوله؟. خرجنا على العهد وعليه نموت أو نعود بالنصر المبين، بحار العار ورائكم وعدو الله أمامكم، هي إحياءات الأيام التليده والفتوحات المجيدة وتخليدًا لذكرى الأخيار الصالحين وفتح لعروس المدائن وخيرها…يولد المرء ويعيش يحلم بهذا اليوم وهو لكم الآن، فإن كنتم على العهد فكبروا!
-الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

هَمزتُ الفَرَس فانطلق ومن ورائي وابل خيال الجيش إلى الالتحام إلى الموقعة، صُلت وجُلت وسط الأعادي قاتلت، دافعت وصددت…ساندتنا غبرة الخيول في البداية على قوة الاتحام مئات منها أتت من حيث لا يعلمون لتثير الرمال بيننا وبينهم فأعمتهم وكانت فرصتنا للفتك بهم، والآن احتمت الوتيرة واشتدت، لتتقدم ميمنة الجيش وميسرته أكثر وأقوى وليتظاهر الوسط بالتراجع، بالضبط سنطوقهم ونحاصرهم في الداخل…إنها تتحقق نحن ننتصر! أكاد أرى وهج زرقة “قبة المسجد” الموعود أمامي أداعبها وتداعبني وأدنيها وتدنيني أكثر وأكثر، اللهم لك الحمد…ترائت لي حينها أحداث المعركة شريطا بارقا وجدتني في مراحلها على وشك الشهادة قبل الوصول! ولكن كيف يموت البطل! أيموت صاحب الخيال!.

تراكمت الرمال وتراصات بالأكوم فوق الأكوام وكأنها الستار الذى سوف ينحصر إنسداله على حياة أخرى بعالم آخر أتى فيه العمران محل الصحراء، وحدات سكنية محل الخيام أبحث وستجدني في واحدة منها أو انتظر قليلا فلسوف تراني بل يراني العالم بعد قليل…تلك الجائزة هي حلم حقا بل هي الحلم، راودتني دوما ولا زالت. أعواما من السهر والاجتهاد، الهدف نصب عينيك، تماما أمام ناظريك لقد استحققتها بالفعل ولن يفصلك عنها الآن سوى إعلان ذلك فقط.، هل رأيت الوجوه المشدوهة بعدما رأوا اكتشافك هذا! تسمروا قليلا ثم ما لبس أن نطق أحدهم بعبارات الاندهاش تلاها سيل مماثل من جمل الثناء كان ذلك في البداية تلك التي عبرت بعدها عدة مراحل أخر شاقة لتستحق الوقوف حيثما تكون اليوم بين الجميع لكنك لست مثلهم، أنت أعلى وأذكى والأجدر ورجل هذه الليلة، تلك هي اللحظة إذا تأهب…استعد…الآن.
-وتذهب الجائزة إلى…

عندما يحين الظلام، أيهما في واقع الناس أم ذلك الذي فقط في داخلك، عندها تأبى جراح الخيبات عليك إندمالا فتذرف الأحلام دماءا، تروي بها أراض الخيال الخصبة؛ تطلق العنان لخيالك، فتحصد تحقيقات وهمية، وعندما ترتد بعدها على عقبيك لا يدريك ماذا أثناك، ماذا أيقظ الواقع فذهب الحلم؟!.
يتوانى السماد عن الجود مجددا فتصحو، عندما يأبى السكر عليك الوفاء ولطالما فعل حينها تجدك وحدك في ذات الأحداث والدوائر تفعل ما تفعله كل يوم كل ساعة ودقيقة وثانية وكل ثانية أنت أمام محكمة الاختيار أطريق آخر لحلم آخر لأحد وسائلك الوهمية، أم طريق واقعي، لا شهود لا قاضي لا دفاع ولا اعتراض أنت فقط هناك، أنت المتهم وأنت كلهم، وأمامك طريقين كلاهما متاح!.

ولكن عندما تقتصد في الخيال بلا إسرف فتجود بالتحقيق بلا ضنن، عندها توشك أضوائك على إيراق الشموس لتجدك في آخر مطاف الاختيار، بداية مطاف آخر نهايته…من هو حقا أنت!