ندى شكري تكتب: “عندما يحنو علينا القدر”.

طالما حلمت بأن يتقاطع عمرها مع من بمثل عقله وقلبه بل معه تحديداً، محظوظة هي من تتزوجه بكل تأكيد.



“لا أدري هل نحن البشر من نختار أقدرانا، أم أن القدر هو من يختارنا!

يدهشني خلق الله لملايين الحيوات والسيناريوهات لمختلف البشر بهذه الطريقة المذهلة والتي قد تتقاطع في نقطة، سواء كانت في مواصلة أو خدمة حكومية ما، وقد تتقاطع لفترة أطول كالعمل أو الدراسة، ومنهم من يعش معنا فترة من العمر بأكملها وتتشابك تفاصيل الحياة التي تكاد تكون واحدة؛ كالأخوة والأبوين والزوج”.

كان هذا جزء من بداية محاضرة لشاب في مقتبل الثلاثينات في أحد المؤتمرات الضخمة، وكان من ضمن الحضور فتاة في أواخر العشرينات تنتبه لكل مايقوله الشاب في اهتمام وتحفز، نظراتها له مثل أم تتباهى بولدها وهو محط أنظار وإعجاب الناس. يظن من ينظر إليها أنها تهيم به حباً ولكن كان هناك شيئاً أعمق مشتركاً بينهما شيئاً يجمع بين العقل والجنون، بين النضج والعفوية.

طالما حلمت بأن يتقاطع عمرها مع من بمثل عقله وقلبه بل معه تحديداً، محظوظة هي من تتزوجه بكل تأكيد؛ فمثل هذا الشاب يستطيع أن يحتفظ بعلاقته معها في قمة توهجها وحرارتها؛ مهما مرّ عليهما الزمن وتقلبت بهم الأحوال، رجل ذو قلب صغير وهذا جلّ ماتحبه المرأة وتقدّسه. مثل هذا الرجل يستطيع أن يُغرق زوجته حناناً وحباً بكل عقل وحكمة ومودة، يحترم غيابها قبل وجودها، يحافظ ويحنو عليها. ينصحها ويدللها؛ كأميرته الصغيرة التي من صلبه. يتقبّل نصيحتها له وحنانها عليه ورعايتها لشئونه؛ كأنها أماً ثانيةً له، يحترمها ويقدّر وجودها واستقلال شخصيتها وطموحها؛ كأخت أو صديقة قريبة له. وحده يستطيع أن يتجمّع فيه صفات السند والونيس. الرفيق والصديق. الزوج والأب. الأخ والابن. الوطن، السكن والملاذ. وحده من تفتخر وتطمئن أنها تؤسّس معه جيل جديد سوي يحققان به عمارة الأرض التي أمر بها الله بنى آدم. رجل باختصار يحبها في الله ولله وهذا كنز.

وأما عن الخيال المجرد الذي يقتحم عقل أي فتاة في هذه السن وهو أن تقف بجوار والدها بفستان زفافها الأبيض البسيط ويحتضن رجلاها كل منهما الآخر، على أن يَعد الأخير أمام الله وأمام والدها أن يكون لها نِعم الرفيق والسكن. هي تعلم أن خيالها غريب نوعاً ما، ليس كمعظم الفتيات في هذا العصر اللاتي يتخيلن حفل الزفاف أو الزواج نفسه بتفاصيله المادية السطحية؛ فهي تتخيل معنى الزواج وقيمته وليست مادته. كانت دائماً تبحث عن الإختلاف؛ ولكنها لم تدرك بالفعل أنها مختلفة بذوقها، لمستها وروحها. بأحلامها وطموحاتها.

أفاقت من فترة سرحانها العميقة على صوت جرس الساعة تشير إلى تمام الساعة الثانية فجراً، فذهبت للفراش حيث يجب أن تكون نائمة منذ ساعتين؛ حتى لايفوتها موعد عملها بالمستشفى صباحاً. تغمض عيناها في فرحة وامتنان وآخر صورة التقطتها عيناها، ملامح هذا الشاب -الذي كانت تتأمله في مؤتمر اليوم- وهو نائم بجوارها، يتوسطهما كائن صغير ينتمى إليهما.