أحمد أسامة يكتب “حلقاتوفوبيا”.

بيضاء من الخارج أو أيًا كان لونها، متوسطة الحجم لاتحمل فقط الأجساد؛ هي تحمل عقول وهموم أيضًا آمال وأحلام، نظرات عابرة وسرحات وشوارد على مر الطريق.



بيضاء من الخارج أو أيًا كان لونها، متوسطة الحجم لاتحمل فقط الأجساد؛ هي تحمل عقول وهموم أيضًا آمال وأحلام، نظرات عابرة وسرحات وشوارد على مر الطريق.
تختلف فيها الثقافات تتلاقى، تمتزج وتُجبر جميعًا على الجلوس بنفس المقاعد، دفع نفس الأجرة وقد يصل الأمر أحيانًا إلى الاستماع إلى نفس هذه الحوارات القادمة من المذياع -هذا الذي لم يعقه التراب المتراكم عن القيام بدوره-.
في آخر العربة جلست أنا كجزء من تلك السموفنية الكونية المعزوفة سالفًا آنفة الدوام، جلست كجزء من حلقة روتينية يومية بسيطة، وما أدراكم ما الحلقات،
استيقظ كل يوم يا عزيزي ارتدى ملابس القتال، وضع قناع له استعد؛ فأنت على أعتاب خوض يوم يقال بأنه جديد من جولات تلك المعركة
معركة حياتك التي قد تظن أحيانًا أنك بطلها، فارسها المغوار أو قائدها المتحكم بزمام الأمور.
أنزل إلى الساحةالآن؛ فقد حان الوقت أذهب لفعل نفس تلك الأعمال، خوض نفس تلك المهاترات، إنجاز نفس.. دعونا لا نستعمل كلمة “إنجاز”؛ فهو ليس إنجاز إنها تأدية.
فإنك لو وقفت على المشارف وأخذت نظرة من بعيد لحقائق الأمور وأخبروك أن تلك البعيدة هي حياتك فسترى بعض الحلقات، لو أمعنت النظر ستراك كالثور المربوط في كل حلقة منها على مدار فترات زمنية متباينة المدة، ستخوضها واحدة تلو الأخرى منصرف عن أي إبداع قد يطرأ مستسلم لروتينية الموضوع، تسير في ظل التيار القائد.
أحيانًا أو ربما غالبًا سترى الإنجاز في مجرد تأدية دورك الروتيني في الحلقة، غالب الأشخاص سوف يرون ذلك.
محتمل أن تواتيك السعادة الغامرة لما أديته ظننا منك أنك قد أنجزت شيئًا، لكنك ستفاجئ عندما يتقدم بك العمر أنك لم تفعل سوى ما فعله العامة، سوف تتذكر حينها أوقات الشباب كيف صُرفت عن اتخاذ دورك الإبداعي المفروض، كيف تم إلهاؤك في دوامات متتالية أخذت وقتك وصرفتك عن الحياة طعنت فيك الحُلم حتى أردته جثةً هامدة وجدت لذة في التمثيل بها ثم دفنتها بمقبرة ضيقة على قدر اتساع كتب على أبوابها “الحلقة”.
لنبدأ إذن بالتعليم كأول هذه الحلقات، يجب أن تتفوق أن تصبح الأول مثلًا، ناهينى وناهيك عن الاستفادة، الجأ إلى الفهم لن أمانع فى ذلك، فإذا فشلت فعليك بالحفظ الصم
دون سطور الكتاب في عقلك، هل فرغت من مساحات التخزين!
تخلص من بعض الأشياء إذن -إبداع، محاولات فهم، تساؤلات- أراها أوهام بلا فائدة سأتخلص منها لك.
أتعلم شيئًا لقد تخلصت منها بالفعل، الآن تملك مساحة أضخم للحفظ، وعندها فقد نجحت في الوصول إلى حلقة أكبر ثانية.
عليك أن تعمل بجد واجتهاد تُفني نفسك، تضيع العمر أو لنتجمل قائلين “تستثمره فى الأداء الروتيني مدفوع الأجر”
يومًا بيوم، شهرًا بشهر، عامًا بعام، الآن أنت مؤهلٌ لحلقة ثالثة تالية كالزواج، لا أدري إن كانت الحلقات قد أنستك أحلامك الجميلة في تلك الأوقات الأجمل المزعومة من الحياة؟!.
لقد نستك هي على أيَّةِ حال، لقد تناستك -أقصد- أراها الآن مع ذلك الشخص الذي كان في مثل عمرك حاليًا لكن وقتها.
الآن إنه دورك لتفعل مثله، تمر الحلقات، يمر الزمن ويمر العمر؛ تهانينا يا سيدي لقد استطعت أخيرًا التحصل على أقل حقوقك، مرحى لك.
يا هذا.. اترك الشرود قليلًا، وانظر لنفسك ماذا أنت مرتدي وسيلة النقل تلك وذاهب لفعله!
أليس دورًا من أدوار تلك الحلقة!
أتذكر تلك السيدة منذ قليل التي قطعت حبلك للأفكار مستئذنةً للنزول، ماذا بظنك قد يكون ورائها إنه دور حلقي آخر، وكل هؤلاء القوم حولك انظر إليهم سوف تراك فيهم ولينظروا إليك وسوف يروهم…هم لا يريدون لكم أن تتفوقوا، من هم! لست أدرى تحديدًا، دعونا نضع ذلك في إطار الصراع الأزلي بين الخير والشر.
حسنًا لماذا لا يريدون لنا التفوق! ليس بالسؤال الذكي!، أتريدون أن تحصلوا على حقوقكم البسيطة بدل من المحاربة من أجلها، وماذا بعد! تستفيقوا وتجدوا الوقت لمحاربة فسادهم، أهم بذلك الغباء!.
أخبرني كم مرة سمعت عن ثورات قادها الجياع في التاريخ؟! ثم أخبرني كم مرة سمعت عن ثورات قادها المثقفون!.
إنها فلسفة بسيطة عالمية الاتباع منذ الأزل, أنت السجين والبطل وأنت فأر تجاربها التي غالبا ما تنجح.ربما كذبت تلك الأساطير التي تحدثت عن أن قاتل ذلك الملك الطاغي لم تلده ولاده؛ ليخرج لنا البطل مولود قيصريًا
أو الأخرى التي تقول أن صاحب المُلك هو الوحيد القادر على إخراج السيف من الصخرة العجيبة المزعومة!.
أتدرون يمكنني أن أخبركم بمضمون نبؤة أخرى واقعية أكثر، تقول أن الشخص المنشود هو ذلك الذي استطاع نفض تراب السحر الروتيني عنه والتجديف عكس الريح وعبور الحلقة عبر رتم الحياة القاتل.
تلك الدوامة التي تأخذك مغمض العينين في أول حياتك لتعيدك مغمضًا مرة أخرى في آخرها لكن مع بعض التجاعيد وقد بلغت من العمر أرذله ولم تبلغ من الإنجاز أوله!