“إن كنتم تعقلون”

ده : عالم تانى مليان كلام ممكن نختصره بكلمة "مقال"



10421281_344004369125177_3724616443056124196_n

أنت…تمسك بسلاح وتصوبه نحو والدك
أنت…تمسك بسلاح وتصوبه نحو أعز الناس عليك، وأقربهم إليك
أيمكنك تصور ذلك؟ أيمكنك أن تضغط الزناد؟
أعد نفس التصور لكن في الشارع أو في قطار أو ربما في بلد آخر، تمسك السلاح وتصوبه نحو رأس جديدة…
هذه المرة نحو شخص غريبٍ، قصير ربما أو طويل، نحيل أو زائد الوزن، بلحية أو بدون، أسود أو أبيض. لا تعلم إن كان يتحدث لغتك أم لا، لا تعرف ديانته أو ربما هو بلا ديانة، ولا تعلم أيضاً جنسيته.
فقط أنت وهو…
أيمكنك أن تضغط الزناد؟ أيمكنك أن تطلق الرصاصة لتستقر برأسه؟ أيمكنك أن تتغافل عن نظرته تلك المليئة بالذعر والهلع؟ ألم تتخيل للحظة أنه ابن لشخصين ضعيفين؟ أنه أب لأطفال يحبهم ويحبونه؟ شخص له أحلام وطموحات كان يفكر فيها لتوه قبل أن تقطع عليه الطريق ممسكا بسلاحك؟ زوج يفكر في مفاجأة زوجه وإسعادها مثلما تفكر هي؟
ربما لو تركته ينطق لحدثك بصوت لطيف، عذب ومرتجف…لو تركته ينطق لحكى لك عن حياته البسيطة وأحلامه البعيدة التي تعلَق بها، ولحكى عن أشخاصٍ يحبهم وأشخاص لم يلتقِ بهم سوى مرة وهبهم فيها كل قدرته على مساعدتهم والتخفيف عنهم…لأخبرك عن معزوفةٍ أو لوحةٍ مفضلةٍ يحب أن يتأملها كلما اختلى بنفسه لدقائق بعيداً عن متاعبِ الحياة، أو لعل كرامته ستنطق بدلاً منه فيصرخ فيك أنه لا يهابك ولا يهاب سلاحك -رغم حقيقة خوفه- وقد يسيطر عليه مزيج من المشاعر فيرجوك ألا تقتله لأنه ببساطة يهاب الموت أو لأنه يرغب في فرصة أخرى، فرصة يمتلك فيها زمام أفعاله دون خوف، فرصة يحاول فيها أن يضع الأمور في نصابها الصحيح، فرصة لمساعدة الناس، للرفق بحيوانه الأليف، للتصدق على الفقير في أول شارعه، للابتسام في وجه بواب عمارته، لعدم استفزاز زملائه في العمل، لتقبيل يد أمه العجوز وطلب غفرانها، لليلة أخيرة يضحي فيها بكل شيء ليقضيها بين زوجته وأطفاله.
أيمكنك الآن أن تضغط؟
أتساءل ما الذي يجعلنا نضغط الزناد إذا التقينا بنفس الغريب لكن في ميدان حرب.
هو لا يزال نفس الشخص الغريب بديانته، بلغته، بشكله، بروحه وبنفس صفة غرابته عنك. أتساءل ماذا يدفعك لقتله؟ هل آذاك؟ هل أزعجك، أغضبك، سبّك، ظلمك، جرحك؟

 تأمل الوجه في الصورة، تأمله جيداً وأجب نفسك قبل أن تجبني: هل رأيت الفزع في عينيه؟ هل رأيت قلة الحيلة؟ أشاهدت الخوف والهلع في فمه الأفغر؟ ألاحظت يده التي لا تقوى أصابعها على الإمساك ببندقيته؟
هذا ببساطة لأنها يدٌ لم تعتد العنف والقسوة، يد خلقت لتعمل لا لتقتل، لتكتب وترسم وتعزف لا لتجرح وتؤذي وتسحل…
بالله عليكم اغفروا لي ضيق أفقي وقلة فهمي وفسروا لي إن كنتم تعقلون…
إذا لم تكن الإنسانية في تحكيم العقل والإحساس ففي أي شكل تكون؟!!

.أحمد نصار – حاسبات و معلومات

.مراجعة: مي أحمد