“أهل الحب صحيح عايشين!”

لا زال حُبك يتفاقمُ بداخلي، ولا زال طيفك يؤنِسنُي.



عزيزي؛ الآن أسير وحدي في الظلام على سطح المنزل، يكاد البرد أن يفتك بجسدي، لكِني رُغم ذلك أطلب المزيد. لِم عساي أُضيع فرصة وجود نسيم بارد يلفحني بهذه القسوة الممتزجة برقةٍ وحب!
ثمةُ قمرٌ ضائِع وسط سواد الليل تَغزوهُ نسماتٌ جارحِة في الهواء الطلق، ثمةُ ظمأ ووحشة بارِدة، وهُناك أحومُ وحيدة فِي عالم الضوضاء مُتحرية عن مَأمَنٍ لروحي بين العابرين، أشقُ الليل بعدك ساهِرةً حاملة ثِقل غيابِك، أهذا هو الليل؟ ما أطوله! أما كُنّا إذا سهرنا معًا نقول مِن الشوق ما أعجلهُ؟
والغريب هو أن تتملكني رغبة بالكتابة في هذا الموقف وما يجول في خاطري في هذه اللحظات يميل للعبث قليلًا كأن أتذكر قول “نيتشه“: “وحدها الأفكار التي تأتي خلال المشي هي التي يمكن أن تمتلك أيةَ قيمة“.

فأُخرج ورقة مِن جيبي وقلم الطوارئ خاصتي وأكتب دون أدنى رحمة، تنجرف أنهار الحروف بصدق دون توقف، وأنتظر… نعم أنتظر أن تُصبح عقارب الساعة مُتماثِلة… ياله مِن عِناق!
لا مسافة، لا بُكاء، لا تعاقبٌ في الأجواء، كل ما في الأمر، مسألةُ عِناق فحسب!
فقدتُ شيئًا كان يربطني بالحياة، ينتهي ويتكرر كُل ليلة بلا سقم وبكل قُرب وأمان، كتلك الأمنية التي انتظرتها مِئات السنين فتكومت كحسرةٍ بداخل قلبي. فالليالي المُقمرة هذه وأجواءُ البرد وكل شيء هُنا يُعيد أُنس لياليك، رُبما بعيدٌ أنتَ عني، ولكنك معي دومًا.

أريد أن أحيطك علمًا بأنني بِتُ أشعرُ بالوحدة الشديدة مِن بعدك، لدرجة أني أُعانِقَ الوسادة بإحكام كُل ليلة وأنجرف في أحلامي كالغريق نادِمة علىٰ كُل المشاعِر التي لم أشعُر بِها معك قبلًا، فقد اختار قلبي أن يُحبك فِي صمتٍ؛ لأن بالصمت لا أُحادِثُ أحدًا غيرك، وأن أُحبك في العزلة لأن بِها لا أجد سِواك، وقد اخترتُ أن أهواك مِن بعيد لأن المسافة تقيني مِن الألم، تُراك أما علمتَ أنَّ البهجَّة التي ‏يَخلقُها وجودك، ‏كانت تجعلُنيِّ أتحملُ أيَّ شيء! ها أنا أرجو أن ألتقيكَ يومًا لينتهي عنائي.

أذكر أننى منذ يومين بين اليقظة والنوم رأيتُكَ؛ بل تعمدتُ ذلك، أغمضت عينيَّ بشدة وجمعت تفاصيل انفعالات وجهك الجميل في جُلَّ مواقف الحياة المُختلفة؛ كأني أُحاول صُنع فيلم مُصورٍ مِنكَ وبِكَ،
أُفكر في الظلِّ، ظلك الذي بقيَ معي، بعد أن غطُّ إلى العالمُ في سُبات عميق تحت مظلمة الليل وافترقنا إلى الأبد.
‏والآن تعبر الأيام من خلالي فقط دون أن أشعر بها، لا أستطيعُ جمع ما تبقى مِن رُوحي ولا أُدرك بعثرة قلبي، فكيف يُمكن للمرء أن يمضي قُدمًا في الحياةِ بعدما فقد جُزءًا مِنه؟
لا زال حُبك يتفاقمُ بداخلي، ولا زال طيفك يؤنِسنُي، وبتُ في حيرة مِن أمري ألا وكيف أني لا أزالُ في انتظارك حتى اللحظة وأنتَ تحت التُراب؟
سَلب مِنِّي الزَمانُ فرصتيَ الأخيرة لِتوديعك بِعناقٍ دافئ وهذا أكثر ما يؤلم رُوحي؛ لكِنَّ قلبي مُطمئنٌ عليك. حسنًا هذا ليس بالأمر الغريب؛ لكِنه أوجعني بطريقةٍ ما، والغريبُ أنني لا أزالُ أنتظرك بكُل لهفة، ذات مرة أخبرتني: “أن الأشياء الجميلة تأتي حين نكُف عن انتظارها“، ليتني مثلك! وليتني أكُف عن انتظارك، فقلبي الآن أشبهُ بأرض قاحِلة تُغطيه أشواكُ البراري حين غبتُ عني.

أشعر بالسوءِ حِيال ما آلت إليه الأمور، ويزعجني هذا الرمقُ الأخير الذي يأتي في صورةِ عجز تام، ليُثبت لِي أنَّ التفاصيل قد أفقدتني صوابي!
في الحقيقة كُنت قد اتخذتُ قرارًا بألا أكتب لك مرةً ثانية؛ لكِني لما لمحت ريشه قلمي الهائم على دفتري ضعفت! وقلت في نفسي: “ما ضر لو كتبت القليل ماذا سيحدث!” في حين أني أعرف أنني في الصباح سأضعها بين كفي الصمت، عجيب!
أعلم تمام العلم أن معظم نصوصي بل كُلها في بعض الأحيان لا تصلك؛ ولكنني ما زلت أتمسك بأملٍ غامض لفرط محبتك في قلبي، في الحقيقة لا أحبذ البقاء على أطراف الحياة بهذه الطريقة… أقصد بدونك، فلا شيء قادرٌ على جذب البهجة صوبيَ الآن، يُقلقني كثيرًا أن العصافير صامتة، لم أعُد قادرة على سماعِها تُغني وربما أنها لم تكُن كذلك!
ربما توهمتُ لأن عقلي ليس هُنا أو لأن أحلاميَ صارت في حوزة غريب التقيتهُ صدفة من بعدك، ولأن صوتي يخفت وينعدم مع الأيام تجدني أكتب لك؛ كي أشعر بأنني ما زلت أستطيع الحديث حتى لو لم أمارسه.

أتذكر نوفمبر! حينما نظرت إليك يومًا ما خلال ذاك الشهر، وأرعبني حجمُ العاطفة التي أُكنها لك، كنت أفزع مِن كثرة التفكير فيما قد أفعلهُ لأجلك، قلبي الشبيهُ بيُتم طفلة صغيرة حلَّ عليه الشتاء فأيقظ مشاعري الدفينة، والذكريات بداخلي، فأغرقني الحنينُ ضراوة ليأكل أنينُ قلبي، فهَمتُ على وجهة الطُرقات باحِثة عن كتف أتكئ عليه من بعدك ولكنى لم ولن أجد.

سأقول لك مرَّة أخرى؛ هذا الخواء الذي يُصفِّر كفجوة في الكون بداخلي يملؤهُ حنيني إليك، ويغمُرني شوقًا لِعينيك، وليالي الحزن مع نفسي وبردها القارس يُدفئها حديثُ الوحدة والضجر وصخب البكاء بعد منتصف الليل جِوارك، و لا أدري عن ماذا كتبتُ لك، ولا يهم! رُبما لأنني وبلهجةٍ خاصة سأقول في النهاية، أعلمُ أنني سأُحبك ما حَييت، مهما غِبت عني وابتعدت، وأنَّك لن تنساني رُغم تِلك المسافاتِ الممتدة بين جسدينا، تُدرك تمامًا أنني أكثرُ مَن يعرفُك، ويعرفُ ما بداخلك، أنني مَن أسمعُ صوتك وأشعر بوهجِ فؤادك وغمراتِ حُزنك، ألم تشعر يومًا أن الذي بيننا دافئ وحقيقي وأعمق بكثير مِن أن نتخطاهُ أو أن يُنسىٰ…

أُحبك أينما كُنت، وأينما ارتحلت، ومهما بلغ بُعدك عني، أمَّا قلبي فعليهِ السلام مِنِّي قد تُرك بحوزتك، فأنا التي كُنت أحيا بأمل اللقاء وقد رحلت، واليوم أحيا على طيف روحك وذِكراك ولا أحيا“.

رَسائِل | (٢٨) سبتمبر (٢٠٢١).
_حبيية إيهاب.