الامتنان..الصناعة اللانهائية

خير الصنعة ولها خير الثمر



بعد قلق وانتظار شديدين، يخرج من غرفة العمليات طبيب شاب ثلاثيني وسيم يخبرنا بابتسامة معتادة بالنسبة له -تنم عن ثقة كبيرة في ما جرى بالداخل- ويتوجه لأحدنا: “الحمد لله على سلامة المولود والمدام، ألف مبروك، يتربى في عزك“.
سعادة وفرحة تغمر كل من في تلك الطرقة الضيقة الواسعة، فرغم أنها ضيقة نسبيًا إلا أنها امتلأت بالكثير من الوجوه السعيدة والتكبيرات والمباركات احتفاء بقدوم أحدث أفراد العائلة.
وفي وسط هذا المشهد المبهج كان لاَ بُدَّ لعدسات أعيننا أن تتبع الشاب الوسيم الذي خرج وأطل علينا بالخبر السعيد. ربما للوهلة الأولى قد لا نرى سوى طبيب ماهر ينجز مهمته على أكمل وجه ويمضي إلى حيث نراه يمضي؛ لكن في الحقيقة أن هناك بعض التفاصيل التي فاتتنا قبل وقت ليس بالكثير، فقط منذ ما يقرب من ثلاثين عام.
طفل جميل يبكي بشدة ممسكًا ببنطال أبيه يختبأ خلفه وكأنه على وشك أن يُلقى كطعامٍ لأحد الوحوش التي كان قد رآها البارحة في التلفاز، ومن حوله أبيه وأمه يهدئان من روعة وسيدة يظن أنها الصياد الذي يختار الأطفال ليلقيهم في كهف أحد الوحوش، ووسط البكاء ومواساة والديه له يرى في عيني أبيه أنه أمام أمر واقع وأنه لاَ بُدَّ له من الدخول إلى ذلك المكان المجهول مع تلك السيدة التي لا يعرفها وقد سمعهما ينادونها “بالمُعلمة“. لم يكن ذلك الطفل الوسيم ذاهبًا إلى وحش من الوحوش كما يظن إنما كان على أعتاب الالتحاق بالمدرسة التي أحبها بعض الشيء فيما بعد؛ ولكنه ظل يكره كونه يذهب كل يوم صباحًا ويترك والديه، يكره ذلك الروتين اليومي الذي يشعره أحيانًا بالملل، يكره كونه مضطرًا للاِلتزام دائمًا بمواعيد وحصص ودروس.

بعد الرجوع إلى هذه التفاصيل ومعرفتك بالطفل الذي لا يحب المدرسة كثيرًا ويكره الالتزام والمواعيد، أليس من المثير أن تعرف ما الذي حوّل الطفل الخائف من مجرد ذهابه للمدرسة إلى ذلك الطبيب الواثق المبتسم دائمًا؟
للإجابة على هذا السؤال علينا أن نتحرك بضع خانات في رقعة الذكريات، وهذه المرة سأقتبس من كلمة الشاب العشريني في حفل التخرج من كلية الطب: السيد رئيس الجامعة، السادة الحضور الكرام، أساتذتي وزملائي،..”، ثم سكت قليلًا واستطرد:”أمي وأبي، شكرًا على كل شيء“.
أجل؛ كان والديه هما السبب في تحوله من الطفل الباكي الذي يخاف مواجهة العالم دون والديه إلى الطبيب الواثق الممتن لهم الذي يحاول أن يغير العالم من زاويته وبأسلوبه، كان لاَ بُدَّ من أحد أن يصر على ذهابه للمدرسة، وأن يخبره أن عليه مواجهة العالم من حوله، كان على أحد أن يعلمه حرفة الابتسامة في وجوه الناس رغم هول الجهد المبذول، وأن يصقل معدن الطفل البريء ليكون الطبيب المبتسم الذي رأيناه في المشفى، كان عليه أن يظل في كنف أحدهم يحميه من تلوث الناس والعالم من حوله، ويخبره بأن ما يجنيه من الناس هو ثمرة ما غرسه فيهم وأنه تقع علي عاتقه مسؤلية محاولة تغيير العالم بالقدر الذي يستطيع؛ ولذلك لاَ بُدَّ لكل ناجح في هذا العالم أن يكون ممتنًا لمن غرس فيه بذور النجاح، لمن أصر على استمراره في الطريق الصحيح.

وبشكل أعمّ يجب أن نعي جميعًا أننا ملزمون بالامتنان الأكبر، الامتنان تجاه وجودنا وتجاه من أوجدنا من الأساس فبدون هذا الامتنان نفقد الكثير من قيمة الحياة والكثير أيضًا من أهمية استمرار سعينا فيها.
وهنا يكمن سؤال مهم؛ ماذا سيحدث إن أفاق الجميع وانتبه إلى صنعة الامتنان؟ وكيف تكون العلاقات بين الناس في عالم يملأه الامتنان والعرفان بالجميل؟
تخيل معي عالمًا تستيقظ فيه صباحًا تقرر أن تسقي ورود جارتك العجوز التي لطالما أطعمت عصافيرك البريئة، تنزل إلى الشارع فترى أحدهم يساعد مسنًا في عبور الطريق وطفل تعلو ضحكاته فرحًا بكعكة صنعتها له جارته، وكيف -برأيك- تكون شركة يساعد موظفيها بعضهم البعض وكل منهم قد اعتقد أنه يرد معروفًا لغيره؟ ماذا لو أن كل علاقة مهما كانت بسيطة ومباشرة انغمست في عطر الامتنان؟
ولا تستغرب إذا قرأت إحدى الدراسات أو الأبحاث التي تثبت أن الأشخاص الممتنين ينامون بشكل أفضل ويتعرضون للاكتئاب بشكل أقل، فالامتنان كما قال “روبيرت إيمونز“: “هو مصدر خارجي لطاقة ولقدرة الإنسان على التحمل والمرور خلال صعوبات الحياة“.
وإذا كنت تعتقد أن معنى الامتنان هو أن تقول “شكرًا” فأنت لست على صواب في القرن الواحد والعشرين؛ ففي عصرنا هذا فقدت كلمات الشكر سحرها في التعبير عن الامتنان -كما فقدت كلمات أخرى تأثيرها الحقيقي الذي تستخدم لأجله- فأصبحت “شكرًا” تقال بنفس طريقة “أهلًا” بمشاعر متجمدة وغير مبالية بهدف قول الكلمة في مناسبتها؛ ولذلك فإنه يتعين على من يلقى كلمات الشكر أن يشعر بما يقول وأن يتأكد في داخله من كون الشخص يستحق الشكر تعبيرًا عن الامتنان. 

ويمكننا القول بأن صنعة الامتنان تكمن في نقاط أساسية؛ تبدأ بالشعور بالامتنان تجاه الناس ومن قبلهم تجاه الخالق -سبحانه وتعالى- ثم تلجأ إلى استعمال الشكر تعبيرًا عن شعورك بالامتنان، ثم تكون أفعالك مرآة لشعورك فتنشر المعروف من حولك، فيشعر الناس من حولك بالامتنان تجاه أفعالك، وبهذا يكون كل منكم قد أصبح أرضًا خصبة لغرس وحصاد هذه النعمة والصناعة اللانهائية.
ومن خلال هذه الكلمة أود أن أرسل بنداء عاجل لكل أم وأب، ولكل معلم، ولكل شخص يمكنه أن يؤثر في معدن طفل أو شاب، أرجوكم اغرسوا صنعة الامتنان في أطفالكم وأبنائكم فهي خير الصنعة ولها خير الثمر.
أعتقد أن كلمتي في الامتنان أنستني أن أهنئكم وأدعو  لمولودكم الجديد، أتمنى أن تزيد عائلة الممتنين فردًا يزيد عنايتهم بالامتنان وبأثره الجميل.
وكما قال جلال الدين الرومي: “ارتدي الامتنان كالعباءة 
وسوف تغذي كل ركن من أركان حياتك“.