سجناء في سجن الديدن

كل ما عليك أن تلزم المقاومة وتحارب



عنوان مفقود، لدى رواية سطورها خالية من الحروف
حياة قد تبدو كخواءٍ غير متناهٍ يحويها مضمون كاللاشيء، ولكن اللاشيء إن دلَّ فهو دالٌ على غياب شيء ما، والغياب هنا سيكون فقدانًا عقليًا؛ لأنه قد نسي وعاش بدور الاستسلام، لا غبار عليه، فالنسيان فطرة بشرية، لكن عليك بالمنبهات، واصطحاب من يمدها لك.

دع لي التحكم لأصوب أنظارك على سجنٍ فاض بأعداد من البشر، مَنْ به غير مجبرين على هذا، أمَّا طبيعة سجنائه فهم قُضاةٌ لأنفسِم هم الحاكمين على ذواتهم بالدوام في هذا السجن أو الانخلاع منه.
وإن استطاع ذهنك أن يلتمس بخيط الأمر وينظر المسمى فهذا سجنٌ يُدعى “سجن الديدن“، فمساجين الديدن تحولوا إلى آلة تعمل على نظام ثابت دون ابتكار في أي شيء كما أنهم تم برمجة عقولهم البشرية على ذلك. الآلات في يومنا هذا صارت تهدد البشرية بذكائها المتطور رويدًا رويدًا، أمَّا الآلات البشرية -سُجناء الديدن- سَيْرهم عكس المسار، وصاروا يجاهدون للانحدار دون أدنى عقلانية.
غريبٌ أمر البشر، وتفكيرهم حقًا مثير للتفكير، فدعنا نرى سويًا فيلم قصير به شخصٌ يُصبح ويُمسي، وبين استيقاظه ونومه هناك عملٌ ثابت يلتهم نهاره وإرهاق يلتهم ليله، والسر هنا في التكرار؛ فالتكرار طريقٌ ذا مفعولٍ جيدٍ لقتل النفس، ويجعل الإنسان ينسى شعوره بالأمر الذي يفعله واستمراره في الأمر يخلق عنده عدم إحساس، فالتكرار قتَّال أضمن لك ذلك. وعندما عبر الدكتور (مصطفى محمود) عن ذلك كان قوله بأن “السر في كيمياء الأعصاب.. إن أعصابنا مصنوعة بطريقة خاصة.. تحس بلحظات الانتقال، ولا تحس بالاستمرار“، ودومًا ما يأتي الإحساس بالملل عندما لا نعرف معنًا لما نفعله.
فلا تجعل الديدن يقوى على ضعف عقلك فقد قيل:- “بأن غذائه حبك للتعود وأفكارك السلبية النابعة من خوفك من كل ما هو جديد“، فلا تتوقع الأسوأ قبل الخُطى وتقرر الجلوس صامتًا.

ممارستك لأنشطة يومك بنفس الأسلوب شيء مميت ولا يأتي تأثيره إلا على المدى البعيد، وإن تمكنت من الإحساس بأن الديدن سالِبٌ لحياتك، بالتأكيد ستمر بمرحلة انتقال في حياتك وبوقفة ذاتية.
فلتعلم بأنك لا تشعر بسوء الديدن إلا في حالتين إحداهما ندمٌ، والأخرى رسالة. فرسالتك عند رؤيتك لنهاية شخص ما كان له فيلم، ودوره في هذا الفيلم يشبه دورك، وأنت عائشٌ فيه الآن، أمَّا الندمُ فدومًا ما يأتي في النهاية الحتمية لنا.

ألم يحن الوقتُ لتحريك الكتلة الدماغية لديك التي تُحركك؛ لندعها تقوم بعملها، أم أنك مرتبط بجدران تلك السجن وتريد الاستكمال به. ولكن لابد أن تعلم بأن سجنك خالٍ من الأثر التي خُلقت أنت لتضعه في الحياة.
أيامك واحده يمكن أن تتمثل في يومٍ واحدٍ، فماذا لو وضعنا (أعمال يومك الواحد) مرفوعةٌ لأسِ (أيام عمرك)، ألم ترى بأن تقليص حياتك في يوم أمرٌ مشين في حق ذاتك؛ فالاعتياد على أداء المهام بوتيرةٍ واحدةٍ في زمنٍ محددٍ بقواعدٍ ثابتةٍ دون تغيرٍ أو تبديل لا يخلق إنسان. فدعنا نفكر -فقط نفكر-؛ لأن أمورنا لا تُعَالَجُ إلا بفهمها والتفكير بها، فكل ما نمر به لا يحتاج لتغيرٍ كوني بل فقط يحتاج إلى التفكير بشيء من العقلانية. ألم يحن الوقت لترتيب وقفة ذاتية تملؤها أفكارٌ نابعة من تفكيرٍ خالص لا يشوبهُ صراخ البشر؟ لا تعد نفسك بأنك ستفعل مادام عقلك لم يحركك الآن، لذا فكل ما عليك أن تلزم المقاومة وتحارب انغماسك في الروتين.