“رهينة”

صلاح الإنسان من صلاح عقله، وفساد الإنسان من تسليم نفسه.



تتقلب الأجواء من حين لآخر، عاصفٌ تارة، وصافٍ من الغيوم والتقلبات تارةً أخرى، مشمسٌ تارة، ويميل إلى الظلمة تارةً أخرى، هل تعتقد أن الظروف الجوية بتقلباتها تحدث فقط في العالم المحيط؟

في بعض الأحيان يمكن إعطاء تلك الكلمات كتشبيه لما يحدث داخل الفصين الأيمن والأيسر من العضو المسؤول عن إصدار الأوامر لباقي أعضاء الجسد، تقلبات تحدث في العقل، متنوعة شأنها شأن أحوال الطقس الخارجية، لكن إذا ما أجاءها ذاك الدخيل فلا يمكن وصفها بالتقلبات تلك؛ بل هي أبعد من ذلك بعد إبليس عن الجنة.

وعلى ذكر إبليس فهو من يمثل زعيم هؤلاء الدخلاء الذين يتسللون في باطن العقل بلا سابق إنذار مثل طفيلي، لا يمكن إخراجه إلا بإجراءٍ روتينيٍ معين؛ بل على النقيض يحاول أن تتكاثر أفعاله وتأثيره لتتغلغل بالداخل، عن طريق تجنيد بعض الجواسيس تحت إمرته، حتى بدون إدراك حقيقة هويتهم الجديدة، فقد يخدمون سيدهم وزعيمهم، فكيف تصنف تلك الطبقة وتندس وسط المحيط بدون دراية من أحد؟

تلك الطبقة تنقسم لطائفتين، طائفة ذات اتصال غير مباشر، وأخرى ذات الاتصال المباشر، طائفة تأثيرها يأخذ وقته ليظهر، وطائفة ما أن تدرك العقل تؤثر فيه على التّوِّ واللحظة.

أما عن الطائفة الأولى فهي من أخرجت كل الزعماء الذين أتى ذكرهم على مر التاريخ كأسوأ وأقسى من تَملّكُوا السلطة بأيديهم حتى تَملّكهُم السلطان ذاته؛ أمثال: (هتلر، وماسوليني، وغيرهم)، وممن سبقوهم بوضع أسماءهم في صفحات التاريخ السوداء، ومن تلوهم بتتبع خطاهم وإكمال مسيرتهم، من بعد مماتهم وإلى الآن، حتى لو لم يكن الشخص زعيمًا، فأقله أن تأثيره السيء النابع منه سيتم تصنيفه ضمن إحدى الطائفتين. لكن السؤال الذي يطرح نفسه للعراء هو؛ أيُعد الشخص الثاني عديم الشهرة بتأثيره كأمثال الأسماء المتصدرة تلك الصفحات السوداء، أينحدر الاثنان من نفس الطائفة المُعرِّفة لأفعالهم؟

يتفاوت التأثير من شخص لآخر؛ لكن يندرجون تحت طائفة واحدة، لأن الطائفة الأخرى خاصة لا يمكن لأحد أن يجرؤ على دخولها، فمالكها لن يقدر على أن يشارك عرشه أحد، فهذا هو ما جعل مصيره في الهاوية بعد عدم رضاه عن خلق الإنسان، إبليس المتعالي لن يقدر أن يشارك طائفته مع أحد. لكن تأثير الطائفة لَا بد من أن يقوم بنشرها، فتلك هي مهمته إلى يوم الدين، تلك الطائفة ذات الاتصال المباشر التي تقوم بالسيطرة على العقل؛ بل وتوهمه بأنه المدبر والمسيطر لما قد أصبح عليه ولما سيكون، متناسيًا أن القدر بيد خالق كل شيء، اتصال مباشر بين إبليس والعقل قد خلق به كل تلك الصحات السوداء مُسطرة بأسماء خلقت دمارًا لا يحصى في تاريخ البشرية، ومن ثم خلق الطائفة الأخرى ذات الاتصال غير المباشر، اتصال أساسه إبليس لم يقتصر على شخص واحد؛ بل قد أشرع بوجودها قناة من خلال عقل ساذج لا يمكن التحكم بما قد يتمناه، لأن العقل يتمنى المزيد، لكن لكل مزيد عاقبة، لأن المزيد من المزيد يعنى جشع، وليس جشع في المال فقط بل جشع في كل ما قد يخطر على البال، ويكون ذلك المزيد من دعامات بناء الطائفة الثانية التي تقوم بالسيطرة على العديد من الناس خالقة التلك الحروب الشهيرة، التي أودت بحياة الكثير في مقابل المزيد.

إنها تلك اللفائف التي قد نعم بها كل من قد خُلق إنسانًا على وجه البصيرة، نعمة ونقمة، صفر وواحد، لكن هناك ما بين الصفر والواحد، هناك ما بين النعمة والنقمة، هناك الرهينة التي تستطيع أن تفعل أشياءً حتى أكبر من استطاعتها مجبرة، كقنبلة موقوتة على وشك الانفجار، فقط إذا ما أمر خاطفها بذلك، رهينة يمكن أن تعود لأصحابها إذا ما طُلبت فديةٌ لقاء إطلاق سراحها، لكن عند الحديث عن العقل فأي فدية قد تُعد تعويضًا لإطلاق سراحه، وهل بالفعل قد يطلق سراحه؟ هذا ما قد حدث وما قد يحدث، عقل قد أُخذ رهينة بطريقة مباشرة وتمت السيطرة عليه، بل والتغيير أيضًا في كينونته الداخلية وهويته التي تحدد أفكاره، ثم يأتي الدور على تلك الرهينة أن تأخذ مسار خلق الطائفة الثانية لتبني هرمًا مكونًا من رهائن أخرى لا قبل لهم بأي عملية خطف لعقولهم، ولربما تعد تلك الطائفة أخطر من الأولى، فالأولى غير قابلة للشراكة، ويعد تأثيرها بالعظيم يؤدي إلى الهلاك، ولكن يمكن الانتباه إليه والاحتراز منه. والأخرى قد فات أوانها وأصبحت رهينة لبضع كلمات معسولات قد تغلغلت بالداخل مقيدة كل ما هو حر وإطلاق أفكار مضادة لحرية العقل، ينفذ ما قد يُطلب منه دون أي رجاء من إبداء الرأي في فعله، مغلوب على أمره لا يستطيع انتشال نفسه من الغرق.

سلسلة تجر بعضها العض، تخدم سبيلاً واحدًا؛ دمار هائل ليس بعده دمار ولا حتى إعمار، دمار يطيح بكل الأمم، لا أحد يكون قويًا بعدها ولا مسيطرًا ولا حتى حيًا يرزق برضاه، مجرد كومة من الناس تنطح بعضها وتزيل من أمامها من يعترضها، غابة من أناس قد دُمر هوية إنسانيتهم بتسليم عقلهم لغيرهم، ذاك التسليم حتى أقوى من تسليم الحروب، في الحروب تتدمر أممٌ قد سلمت في نهاية الأمر، وقد يتم إعادة إعمارها مرة أخرى، لكن دمار النفس ماذا قد يعيد إنشائها من جديد، وقد سلمت عقلها من البداية لتبدأ بنفسها الدمار داخلها وخارجها، تترك نفسها رهينة مقيدة لا تعلم سبيلًا للخلاص، حتى لو قامت بالتفكير في فدية لخلاصها فسيكون الثمن باهظًا. ماذا ستكون الفدية التي قد تجعل العقل يسترجع هويته وينتشي نفسه من غرقه؟ماذا قد يكون مقابل أعظم ما قد يملك الإنسان والمحدد لطريقة عيشه في الحياة؟سؤال محوري وصعب؛ لأنه أيًا كانت الفدية فسيكون الثمن باهظًا، ولن يعود أي شيء كسابق عهده حتى لو استعادت النفس عقلها بأفكاره بأكملها، سيظل هناك شيئًا مفقودًا.

صلاح الإنسان من صلاح عقله، وفساد الإنسان من تسليم نفسه“.

أممٌ تتقدم وأخرى تتقهقر وكل ذلك تحت مظلة واحدة، تحت مظلة العقل لأنه المنتج لما هو موجود، هو المصمم لما هو صناعي فقط ومنتفعٌ به، هو السر المعلن أمام الجميع، هو الذي من شأنه فناء النفس لكن ليس بيده فناء البشرية، لكن بيده تطور شأنها وتخلف شعبها، فكرت فأنتجت، أردت المزيد فسلّمْت، شعرة تفصل بين مزيد الفضول ومزيد الجشع، تلك الشعرة هي بداية النهاية، شعرة تجعل من عقلك حبيسًا لغيرك أيًا كانت الطائفة التي ستندرج تحتها، بدأت مع كثر حتى وجدوا أنفسهم في مناطق محظورة لا يمكنهم العودة أدراجهم إلا بثمن ليس بخس، لكن أيًا كانت الطريقة التي قد أخذت العقل رهينة، وجعلته يقترب من محظوراته، فقد فات أوان إنقاذه، لكنّ سبيلًا واحدًا قد يكمن في إنقاذه قبل تسليمه؛ هو معرفة أين تقع محظوراته. لكن أتعد تلك المحظورات من الثوابت لكل العقول، أم لكل عقلٍ محظوراته؟