لا تقتل أخاك

لماذا ننتحر؟



في قبضة الأرق أموت إثر نفس مكتوم، يخلّصني منه نصف حبة تلقيني جثة هامدة على السرير، أفيق وما أسخف الحياة! ما أسخف الحياة بين النومة والنومة، ألطخ جسدي كل يوم بنظرات كارهة، وأبدأ مباشرة بالتساؤلات: هل أنتِ صالحة؟ هل تؤمنين بالله حقًا؟ تبدو فكرة الإلحاد قريبة، ما هذه الخلقة؟ كم أنكِ قبيحة! ربما تشكلين عبئًا على الناس، لم لا تتمين الشيء إذ بدأتِه؟ آهٍ! حوار أمي اليومي، إضافات أبي كافية أن تثير أعصابي! ما الذي سبب لكِ كل هذا الحزن؟

 

بالكاد أسكت رأسي؛ فتبدأ المحاكمات والآراء تنهال عليّ؛ أنت مرفهة كفاية، لماذا أنتِ حزينة ومحبطة؟ لم لا تتخذين قرارًا حاسمًا؟ أنتِ مريضة طوال الوقت، أصبحت وردة ذابلة، كلنا نعاني من المشاكل ولا نحزن بهذه الدرجة، وزنكِ ينقص كثيرًا وأصبح وجهكِ قبيحًا!

أهرب من هذا الجحيم فيتلقفني الانتحار بكلتا يديه وذراعيه الواسعتين، أقف على شاطيء المياه وأرى نفسي أرتمي بأحضانها بلا صرخة نجدة أو مقاومة باطشة، وأفيق على أحدهم يسألني (هل أساعدكِ؟).

 

يحتاج الواحد منا في كل خطوة قدرًا من الاتزان يؤهله لأن يثبت قدماه على الطريق، وآخر من الصحة النفسية ما يساعده على ثبات خطواته وانتظامها، قد يغفل الإنسان عن غيره بالقدر الذي يُسقط فيه أن كل البشر دونه تتقلب بهم الحياة مثله، وتتلاعب بمشاعرهم مثله، وربما تنقلب بهم الموازين وتتغير طباعهم وسماتهم مثله! وليس معنى أننا نتنفس ونتحرك أننا بالضرورة أصحاء النفس متزنوا العقل، ومن المثير للدهشة أن كل واحد منا يجرب هذا فعليًا على الأقل في مرحلة في حياته ورغم ذلك ننصب الموازين ونحاكم الآخرين ونتفنن في إثقالهم!

 

الاكتئاب هو مرض العصر وداء الشباب الحالي، ربما يؤخر الواحد منا سنين فعلية، وقد يقدر الواحد منا على مظهره، فيضحك ويتحرك في نشاط وهو في الحقيقة تصرخ روحه بالنجدة، وإن قرر أن يشارك ما بداخله، لا يستطيع أن يصل للنقطة الشافية، وربما لا يجد للكلمات سبيلًا فيكتفي بالنظرات الحائرة والمشاركة الصامتة.

 

ربما يحتاج واحد إلى كلمات إعجاب، وآخر إلى تربيتة صادقة، وأخرى تحتاج ضمة، وآخر قد يمنعه عن الانتحار ابتسامة حانية!

وبالحديث عن الانتحار، يحزنني أن هناك (800) ألف شخص ينتحرون كل عام، ما بالك بعدد من أقدم وفشل، ومن يفكر بشكل جدي، ومن مازالت الفكرة تداعبه من بعيد، وهذا ما يجعلنا نتساءل: لماذا ننتحر؟

لماذا يتحرك الواحد منا لقتل نفسه؟

ربما لو وجدنا إجابة حقيقية لاهتدينا لحل شاف وتغلبنا على الاكتئاب أصلًا، ولكن تبقى المشاعر الإنسانية غامضة حتى في اضطرابها، ربما هذا الغموض هو ما يقود المجتمع للتهكم والسخرية من الأمراض النفسية في دلالة واضحة إلى أن المجتمع يسخر من نفسه، إذ يتخفى الواحد منا من الناس لئلا يوصم بأنه (يذهب لطبيب نفسي)، ما يزيد الطين بلة ويزيد على المريض بأن مرضه عار حري به أن يخفيه ويتنكر له، ما قد يدفعه لاستنكار العلاج والبعد عن القناة الوحيدة الصحيحة للتخلص من الاكتئاب!

 

الرحمة خلقت لنرحم أنفسنا وغيرنا، وإن لم يكن الواحد منا قادرًا على أن يرحم نفسه، فلنرحمه نحن، بكل دوافع الأخوة الإنسانية، إن لم تكن داعمًا لمريض الاكتئاب فلا تزيده عليه بالنظريات أو بالسخرية، ربما كلمة صغيرة منك تقوده إلى الانتحار، وحينها ستندم!

رجاءً لا تقتل أخاك!

كتابة/ سارة القاضي.