“جريمة العصر وكل عصر”

لا يعلم أن الوقت من يملك دفة الحياة.



دقائق تمر في ساعة حائط قديمة تحدث صوتًا لربما يصير صوتًا زمنيًا من كثرة دورانه بعدد لفات لا منتاهٍ. تم اختراع ساعة حائط تمر في طيات لفاتها بسلاسة؛ لكن مهما تقدم الزمن وسُرقت منه صفات دقائقه ستبقى هي نفس الدقائق الخالدة التي تمر في حياة كل شخص يتنفس على وجه الأرض، مهما تطورت ساعة الحائط ومهما بلغ بها التطور إلى أن وصلت ساعة يد أو حتى ساعة ضمن الهاتف، فلن يتم أبدًا نكران تلك الجريمة العظيمة التي بدأتها تلك الساعة البدائية أو الرملية وأكملت المسيرة إلى الآن؛ ولكن ليس بنفس كفاءة وقت إطلاقها للنور. لكن ستظل ساعة الحائط هي المسيطرة في جريمة العصر وكل عصر، كأنها القائد الذي يقيد نفسه وروحه داخل عصبة، يموت الجسد ويبقى أثر الروح متغلغلًا في تابعيه من عصور تالية، إلى آخر رمق في آخر عصر.

 

قصة تلك الجريمة قد بدأت مذ نضوح أول شمس على وجه الأرض، حتى قبل ظهور الإنسان واحتلاله كل أركان الخضراء -حينها كانت كلها خضراء وليست عبارة عن مربعات وأشكال هندسية من فعل كائن متغطرس ينتشي إذا فعل فعلة جديدة أطاحت بجزء أخضر جديد؛ كما المخدرات لا يهدأ لمتعاطيها بالٍ إلا إذا ذاق منها ما يكفيه- بكل ناطحات سحابه عوضًا عن غابات كثيفة الأشجار طويلة الأفرع. جريمة قد علمتها الشمس بشروقها وغروبها، طالت بها جميع المخلوقات، إلى أن جاء دور الإنسان ليحكم؛ فأيقنت بأنه أنسب خليفة يمكن أن يُستنذف بكل ما لديه، بخطة تضيف على الجريمة بعض الكماليات لتصل بها إلى أناقتها ودقة نتيجتها المرجوة؛ وهي جعله يتيقن ويزعم أنه المسيطر. لكن كما حال اللعبة يمكن تحريكها أينما شاء صانعها وتعتقد بعد دفعة لها كأنها من تحرك نفسها وهي من تملك الدفة لوجهتها؛ كما حال الإنسان لا يعلم أن الوقت من يملك دفة الحياة، ولا يتيقن ذلك إلى أن يوصله الوقت بكل أمان إلى مثواه الأخير.

 

بدأ الإنسان في تعلم الجديد وتطبيقه بسرعة بالغة إلى أن سها عن قوانين الحياة تمامًا، حتى اخترع مثلًا شعبيًا لحاله مثل:- “ماشي فارد دراعاته“، لا يعلم أن تلك الأذرع قصيرة كقصر نظره الذي لا يستطيع إبصار حقيقة أنه ليس إلا ردة فعل من فعل أكبر منه، وحتى أن ردة الفعل تصدر بأوامر الفعل وتتحكم في توقيت صدوره أيضًا، وقد كانت، فظهرت تلك ردة الفعل على مر الزمان أكثر من مرة يتبعها الفعل المناسب لاستنزاف كل ما لدى الإنسان من جهد وطاقة. وتمثلت تلك الردة في اختراع الإنسان منظم لتلك السرقة؛ يسرق ما يسرق بمقدار في زمن معين، أو ما يعرف بالساعة، تنوع فنانوها ومخترعوها على مر الحقب بين ساعة رملية وبرج كامل وبين ساعة صغيرة، وصولًا إلى ساعة متناهية الصغر عند مقارنتها بالماضي، مع بعض التفاصيل الأكثر دقة والوظائف الإضافية، كلها تخدم سبيلاً وسيدًا واحدًا حتى ما يعرف ب”المنبه“.

 

يعتقد بنو آدم وحواء أنهم ينظمون الوقت ويسرقونه ويضبطون ما يمكنهم فعله حسب ما يروق لهم؛ لكن كما المعتاد تلك الخطة من الأساس من قبل معلم الإنسان سبيل معرفة الوقت، جُلّ ما يفعله هو أنه ينظم بشكل أكثر دقة وأكثر فاعلية لبعض دقائق حياة الإنسان ليس إلا. خطة محكمة تُذهب عقل الإنسان إذا أدركها؛ لأنه لا يعلم سبيلًا لكسرها، يعتقد في البدء بأن عمره يزيد يومًا بعد يوم، دقيقة بعد دقيقة؛ ولكن الحقيقة المرة، أن عمره قد كُتب مذ قُطع الحبل السُري الذي كان يحميه من تلك الجريمة، لكنها بدأت على أي حال وبدأ عمره في النقصان، يمر عامًا بعد عام يحتفل فيه بإضافة جزء جديد من عمره يقوم بتشكيله كيفما شاء، ويحتفل أيضًا بانصرام عام مليء ببعض إنجازاته، لربما الاحتفال الثاني واقعيٌ بعض الشيء؛ لأنه أيقن أنه قد فقد عامًا ولم يطلق عليه ذي العام أو العشرين عام، وأصبح يقال عنه ذي العامين أو الواحد وعشرين عام، لكنها تلك الغشاوة التي تغمض بصره الداخلي حتى يتيقن الصورة كاملة؛ بأن عمره ينقص بدلًا من أن يزيد، لا يعلم عمره الكامل، ينقص مرة بعد مرة، كأن المشهد يتمثل الوقت يرشد الإنسان إلى طرق عديدة أثناء الحياة، يتلذذ الإنسان أحيانًا ببعض السبل التي ترقى إلى مستوى تطلعاته، لكنه لا يعلم أن الوقت يلملم من وراءه عمره الذي يرمي به عرض الريح عامًا بعد عام، فقط يفكر في العام الحالي ولربما يفكر أكثر في أعوامٍ لم يتحصل عليها بعد لكي يرميها هي الأخرى، حتى تأتي نهاية سبيل لا رجعة فيه، تأتي اللحظة التي يكشف فيها الوقت عن كل أوراقه على المنضدة، مؤنبًا بها الإنسان، ليس ضاحكًا إذ به يعلمه درسًا يعتبر الأخير له على التي كانت خضراء، يتيقن الإنسان الصورة كاملة، يريد ولو بعض الدقائق التي سرقت منه حتى تُسرق منه ثانية، لكن تلك المرة سيكون راضٍ عن تلك الجريمة لأنه على علم بها، وأيضًا سيكون عاملاً مساعدًا فيها، فقط لأنه قد حدد ما يريد فعله وكيفية التخطيط بالوقت لإنجازها.

بعض الأشياء قد تعود لأصحابها بعد سرقتها، لكن الوقت إذا سُرق لا رجعة فيه أبدًا؛ لأن الإنسان لا يملك الوقت، بل الوقت من يملك الإنسان.

 

-مصطفى قاسم.