“داخل غابات العقل يسيطر….”

حين يتغذى القلق على العقل فهو دائمًا ما يجد فراغًا ينتشر فيه.



داخل غابات العقل الكثيفة تنمو أفكار شتّى وتتوغل إلى أقصى مدى، محدثة جلبة هائلة كأنما الرياح تتخبط في بعض الأشجار الشاهقة، لدرجة تؤذي الأذن بسبب الصوت الناجم، كذلك هو الحال عند تخبط الأفكار ببعضها البعض وتصادمها الذي ينتج عنه عاصفة جدلية في العقل بين الأفكار وكل ذاك يؤدي إلى سبيل واحد فقط، طريق يأخذ بعض الجهد لقطعه، ويستنزف طاقةً ليست بالقليلة، يريد أن يخدم نهايته على أكمل وجه؛ لكنه لا يعلم أنه ربما يقوم بأذية تلك النهاية دون دراية منه، قلبٌ سليم هو نهاية ذاك الطريق يُحمل إليه سُمًّا خفي، لا يشعر به إلا بعد توغله داخل أحشائه، قلق ينجم عن تخبط الأفكار ببعضها داخل العقل، وينشر صفاته داخل القلب حتى تجده يثقل على الشخص تحمله، كل ذاك طبيعيٌ حدوثه لأي شخص؛ بل وتعودت عليه الفئة البشرية كأنما تلك الحياة الطبيعية؛ لكن المقلق أكثر لذاك القلق المنتشر هو عنصر زائد عن تلك المعادلة البسيطة يحدث عاصفة في كلا القلب والعقل، يجعل بعض الأفكار تنمو بسرعة كبيرة إلى ارتفاع شاهق تغطي بكثافتها على ما يحيطها، وربما تذيقها العذاب هي الأخرى. ذاك النوع من القلق الذي يُحدثه المستقبل؛ لكن كيف يكون للمستقبل ضرر في الحاضر، وهو لم يأت ولم يحدث ولم يكن له وجود بعد في تلك الحياة؟

من نافذة سيارة مارة ببطء كأنما تتمختر في الهواء الطلق، يرافقها جسد يميل برأسه على الزجاج هائمًا لا يدري أحد في ماذا، ولا هو نفسه يدري هائمًا في ماذا، تأتيه أصوات من جنبات أذنيه؛ لكنها قد أخذت أمرًا من العقل بوصد الأبواب في اتجاه أي دخيل جديد، متناسية تمامًا العالم الخارجي، وهنا تأتي اللحظة التي ينتظرها القلق حتى يبدأ بنثر أوصاله عميقًا ليتوغل ويكون من الصعب إزاحته من مكانه. ذلك الفراغ المنتظر يجده الشخص من وقت لآخر، لا يقوم بالتركيز في أصوات حوله وربما عينيه تكون فائقة محدقة لكن من الداخل مغلقة، لا تستوعب رسومات لتلك الطبيعة المحيطة، فقد أخذت كفايتها وتريد الهدوء لوهلة من كثرة المناظر، فيأتي الهدوء الداخلي ويأتي معه فراغ يقوم القلق باستغلاله جيدًا، ويضفي بعض التحسينات في هيئته حتى يعطي انطباعًا بأنه مجرد عابر سبيل لن يطول بقاءه طويلًا، وتلك هي الخطة من الأساس؛ ألا يستشعر العقل وجوده، ولا يشعر القلب بقدومه.

قلق يستحوذ على الإنسان بكل حواسه،

ربما يمكن دعوته باسم “القلق المستقبلي“؛ قلق على شيء لم يحدث بعد، وربما لن، قلق يجعل من جسدك يخور أمام هيبته أو هذا ما قد هيئه لك في مخيلتك، فلا تنسى أنه قد خمر العقل بأفرع أفكاره الكثيفة التي غطت كل شيء في الداخل، كأنما العقل أصبح سجينها، لا حول له ولا قوة، لا يقدر على فعل شيء سوى الانتظار، ربما كما البعض يقول “انتظار الفرج“، أسيأتي الفرج حقًا؟ كيف سيتم التعرف عليه بأنه الخلاص من ذاك السجن؟ وهل له أضرار جانبية كما لكل دواء عند مداواة الداء؟ أسئلة كثيرة يغرز حين المرور عليها أفكار في تربة العقل وتزيده ثقلًا على ثقل، ويكأنه يحدث نفسه: ألا يكفيني همٌ واحد فيأتيني همٌ على هم.

إنها حرب داخلية تستنزف الطاقات أثناء معارك طويلة، لكن لم العناء المبذول بلا أي فائدة تذكر! في حين أنه بالإمكان وضع خطة تحافظ على الطاقات وتضمن النصر في الحرب كلها وليست معركة واحدة. في أكثر من نصف المعارك والحروب التاريخية إذا قمت بدراسة على معطياتها وأحداثها ستجد بأن عنصرًا واحدًا فقط ما كان المكون السري لنصر عظيم، مكون يضمن الحفاظ على الطاقة لحين الحاجة إليها ويستنزف طاقة الخصم بأكملها؛ حتى يخروا أرضًا ولا يستطيعون النهوض والعودة مرة أخرى للقتال. مكون هو ما كان السر وراء حرب طروادة الروائية وحرب السادس من أكتوبر التاريخية الواقعية، وربما لحروب أخرى كثيرة لا يعلم عنها أحد. عنصر الإلهاء ممزوج ببعض مكونات عنصر المفاجأة؛ لكي يقوما بخلق عنصر جديد بفاعلية غير معهودة لدى أي أحد، أو ما يمكن أن يقال عليه بأنه ما لم يكن في الحسبان، ذاك العنصر الجديد فاعليته لا تقل أهمية إذا ما استخدم في المعارك النفسية تلك، معارك يطلقها القلق في حرب أبدية لا نهاية لها إلا عند أجلٍ مسمى، كأنما القلق كائن طفيلي يتغذى على الجسم الضيف ويموت بموت صاحبه أو القضاء عليه ببعض العوامل المساعدة، وهنا يأتي دور العنصر الجديد؛ لكن قبل اختبار فاعليته ما الفرق هنا بينه وبين سابقيه؟

حين يتغذى القلق على العقل فهو دائمًا ما يجد فراغًا ينتشر فيه.

لكن لكل شيء مقدار؛ فالقلق لديه مقدار ينتهي انتشاره عنده؛ إذا ما وجد نفسه وسط فراغٍ هائل فسوف يموت من تلقاء نفسه؛ لأنه لن يجد شيء بعد يتغذى عليه. كما حال الكائن الطفيلي؛ يموت بموت العضو، وينشط بنشاطه.

 

أحيانًا تكون نقطة القوة هي في الباطن نقطة ضعف يمكن استغلالها جيدًا، لكن كيف من الأساس خلق هذا الفراغ الزائد عن الحد؟ هنا يأتي وقت اختبار فاعلية العنصر الجديد؛ وهو خلق عامل إلهاء للقلق بقضاء الوقت في لا شيء. نعم، كما وقعت عيناك وتفاجأ ذهنك في اللاشيء، والمقصد من الكلمة هنا هو أي فعل يكون بلا هدف، لا غاية منه ولا وقت لعمله، ولا طاقة مبذولة فيه، في تلك اللحظة في غرفة سرية داخل العقل يبدأ بلملمة أوراقه ثانية للعودة في المعركة، وانتظار التوقيت المناسب لجذ أفكار القلق تلك من جذورها لضمان عدم نموها مرة أخرى في القريب العاجل.