فن التخلي

ابقَ جيدًا



كيف يمكن أن يؤثر التخلي عن الأشياء الإيجابية أو السلبية على حياتنا؟
ظهرت مؤخرًا رسالة في بريدي الوارد تدعوني إلى التفكير والكتابة عن عملية (التخلي) في حياتنا.

دعونا نفكر في كيفية تأثير التخلي على إحساسنا بالرفاهية والمزاج أو جعلنا نرى الأشياء بطريقة مختلفة.
ما هو الأثر الذي أحدثته؟ هل شعرنا بتوتر أقل؟ هل كان من المريح التخلي عن شيء ما؟ هل كانت هناك فوائد جسدية وعاطفية؟ هذه كلها أسئلة مثيرة للاهتمام؛ لذلك أعتقد أنني سأفكر في الأمر قليلاً.

في البداية، يبدو لي أن فعل الاستغناء أو التخلي هذا يمكن أن ينطبق على العديد من المجالات المختلفة في حياتنا، يمكن أن ينطبق على التخلي عن الأشياء الإيجابية في حياتنا والتي سنحزن عليها بعد ذلك كخسارة كبيرة بالنسبة لنا، أو الأشياء السلبية والتي قد نشعر بعد فقدانها براحة كبيرة ونتخفف من العبء الواقع علينا.

يمكن أن تتمثل فكرة “التخلي” في عدة أمثلة، مثل التخلي عن علاقة لم تعد مرضية لك أو قد تسبب لك أذى، أو التخلص من عادة ضارة مثل: التدخين أو تناول الكثير من الوجبات السريعة الضارة، وقد يتمثل التخلي في التخلص من عمل أو تجربة تطوعية تسبب لك ضغوطًا إضافية.

وقد يكون ذلك هو التخلي عن حلم حلمت به من قبل لمستقبلك ثم فجأة تجد نفسك تعرضت لخسارته، ويجب عليك أن تتقبل تلك الخسارة.

وقد يكون التخلص من طريقة قديمة في التفكير في نفسك أو في العالم من حولك، والتكيف مع طريقة جديدة في التفكير، وهو الأمر الذي لا يأتي بسهولة وإنما يتطلب الكثير من العمل.

وكذلك يمكننا التخلي عن الشعور بالذنب المحيط بالتوقعات الكبيرة التي وضعناها لأنفسنا ولم نحققها أبدًا، ونستبدلها بأهداف أكثر واقعية.

الذكريات القديمة موجودة أيضًا في هذه الفئة من التخلي، ومن الجيد الاحتفاظ بالذكريات القديمة ولكن بعض الأشخاص لا يساعدوننا في التمسك بتلك الذكريات بل قد يجرونا إلى أسفل، وللأسف قد نتأثر بذلك سلبيًا؛ لذلك غالبًا ما يوصى بالتخلي عن تلك الذكريات مهما كان من الصعب القيام بذلك.

يمكنك التفكير في أمثلة أخرى يمكنك التخلي عنها في حياتك، وكذلك يمكنك تحفيز نفسك والآخرين على التخلي، لإحداث تغيير في حياتك، وبدلًا من الشعور بعدم الرضا عن حياتك، عليك أن تدرك جيدًا أنك دائمًا تستحق الأفضل.

في بعض الأحيان قد تبدو فكرة التخلي تلك مخيفة لبعض الناس؛ وذلك بسبب كونها خطوة مجهولة مصحوبة بعدم اليقين من النتيجة، حيث أنه يتحتم عليك ترك ما هو معتاد ومريح -حتى لو لم يكن ذلك دائمًا في مصلحتنا- والبدء في شيء قد يبدو غريبًا في البداية، وفي بعض الأحيان يكون من الأسهل البقاء وعدم المخاطرة.
يمكن أن يكون للتخلي تأثير على رفاهيتنا وبالتالي على مزاجنا، كما أن التمتع بالرفاهية يعني أن لديك حياة ذات هدف ومعنى وتوجيه، بناءً على معتقداتك وقناعاتك، حيث يمكنك أن تستفيد من مواهبك الشخصية وإمكانياتك، وتدير مواقف حياتك بشكل جيد، كما أنه يكون لديك علاقات إيجابية وتستطيع حينها أن تتقبل نفسك.

الاضطرار إلى التخلي عن شيء إيجابي في حياتك يساهم في رفاهيتك -مثل العلاقة التي تعتمد عليه – يمكن أن يؤثر سلبًا على حياتك، وقد يحدث هذا مثلًا مع الطلاق، أو إذا فقدت وظيفتك بسبب المرض ثم تشعر بالإحباط، والاكتئاب، وربما اليأس.

لكن العكس هو الصحيح أيضًا، فقد يؤدي التخلي عن الأشياء السلبية في حياتك التي تسبب لك التوتر مثل علاقة سامة أو وظيفة غير مُرضية إلى تحريرك وتحسين إحساسك بالرفاهية وحالتك المزاجية، واحترامك لذاتك، وثقتك بنفسك ومن ثم نرى أنفسنا وعالمنا بطريقة أفضل كثيرًا.

أعتقد أن إزالة الجوانب السلبية في الحياة التي تسبب لنا التوتر يمنحك الحرية، ويمكن أن يساعدك استبدال العلاقات والمواقف وأنماط التفكير السيئة بأخرى إيجابية على رؤية الأشياء بطريقة جديدة ومحسنة، وما كان يبدو في يوم من الأيام كئيبًا ويائسًا في أذهاننا، أو محملًا بالتوتر قد يبدو الآن بطريقة أفضل، وقد ننظر إلى أنفسنا بعد ذلك من منظور مختلف، ونرى الفرصة ونشعر بالقدرة على الانتقال إلى أشياء أخرى في الحياة.

بالإضافة إلى ذلك، قد نجد أن آلام العضلات المزعجة وصداع التوتر تميل إلى الاختفاء، ويتحسن النوم ونستعيد الطاقة، أو قد نجد اهتمامًا متجددًا بالأشياء التي اعتدنا أن نحبها ولكننا وضعناها جانبًا لفترة من الوقت. كل هذه الأشياء تستمر في التحسن بعد أن نتخلى عن الأشياء السلبية في حياتنا.
وفي النهاية فعل التخلي يمكن أن يعمل في كلا الاتجاهين.

ابقَ جيدًا.

مترجم عن:
https://www.psychologytoday.com/intl/blog/view-the-mist/201912/the-art-letting-go