“الطوفان”

كل يوم تطلع فيه الشمس يُساء استخدام مفهوم القوامة بين الأفراد.



هل دقّقت يومًا عميقًا في العادات السيئة للمجتمع والموروثات الخاطئة التي أبصرنا عليها؟ هل سعيت حتى للبحث فيما ورائها ومحاولة إيجاد حلول للخروج عنها والتمرّد عليها؟
أستطيع الربط قويًّا بين تدهور الحالة العامة لأفكار الشباب -والذين أنتمي إليهم- وتقهقر عزيمتهم وتذبذب آرائهم وأمور أخرى، وبين التطبيق السيء لل”قوامة“!
أجد أن هذا يعدّ واحدًا من أخطر الموضوعات التي نَثَرْتُ عنها وسعيت للبحث فيما ورائها على الإطلاق إن لم يكن أهمّهم! وأراه يلتقي بشكل مباشر مع التربية السيئة سواء على مستوى الأُسر أو المدارس، المنابع الأولى لتشكيل هوية الأفراد وآرائهم وطُرق حِساب حجوم القضايا بل والمرجع الأول لوضع الأشياء موضعها بل إنه يتعدى ذلك فيكون ذا التأثير الأكبر في فهم الفرد طريقة ترتيب أولوياته.. فما المقصد؟
حسنًا، بدون إجراء بحث علميّ متخصص، وبأخذ عينة عشوائية من المجتمع المحيط، أستطيع الإقرار أنّ كل يوم تطلع فيه الشمس يُساء استخدام مفهوم القوامة بين الأفراد!
فهنا أبٌ أو أمٌّ علِموا كمّ ما رسّخت الأديان من تفخيم شأن الوالدين، وكم عظّم الإله -سبحانه- من البرّ لهم فتلاه عقب التوحيد مباشرةً، الأمر الذي يعطى لهم مساحة كبيرة لتصريف الأمور، فيُساء الفهم والتطبيق ما يخلق فجوة كبيرة تتسبّب في التجبّر وممارسة بعض السُلطوية على أبنائهم فهنا إبداء الرأي ممنوع لأنّك بهذا تُبدي اعتراضًا على رأي الوالدين المصيب دائمًا بل إنك بهذا تسير سير الزنادقة أو الهراطقة!
يحثّ الإسلام حتى على الاهتمام بالصلاة في السنين الأُوَل فيُجيز ضرب ولي الأمر ابنَه بعد السابعة على التقصير في الصلاة، فتجد تطبيقًا خاطئًا وضربًا مُبرحًا يبني حواجز في المعاملة بين الأب أو الأم وبين الابن، وحواجز عن الأمر نفسه! قد يكره حينها الصلاة في حدّ ذاتها! قد تثقل الصلاة عليه فيجاهد فيما بعد للإبقاء على إسلامه!
هنا أيضًا أحد الصغار المصطفّين في المسجد في الصف الثاني أو الثالث، فترى مسئول المسجد أو أحد البالغين -الذين اقتصر بلوغهم على أجسادهم دون عقولهم- يُزيحه مكانه ويؤخره صفين أو ثلاث خلف الكِبار في نَهَرٍ فيبني في الطفل كُرهًا ضمنيًا للمسجد ورُوّاده.
وهناك زوجٌ شُرّعت له القوامة ورعاية الأسرة! فأمره مُطاع وفي طاعته عِباده، يسيء الفهم والتطبيق فيجير ويظلم ويتصدّر دائمًا موقف الاستبداد والشدّة الخبيثة، فيكون السبب في ميلاد خبثٍ في المجتمع وسماع صوت للمتمردات من الحركات النسائية عاليًا! المتمردات اللاتي يطالبن بحقوقٍ في صورة خاطئة.
وفي المدرسة، معلّم جبّار سنّت له الدولة قوانين التربية والتعليم فيسيء الفهم والتطبيق ويُربّي في نفس الطالب رهابًا للقدوم للمدرسة -مع كل خطأ يرتكبه الطالب- بدلًا من غرس حبّ التواجد بها؛ فيُعاقب ويُجير! ويتلذّذ في تطبيق العقوبات فإمّا معاقبة معنوية من توبيخ سامّ أو معاقبة مادية بالضرب أو معاقبة مزدوجة من نوع آخر! يا إلهي ما أخبث ذلك الصنف يتحكّم في الطالب بالدرجات فيُميته ضمنيًا مرّتين: مرة شعوريًا حين يشعر بشيء من الذلة وحرجٍ للكرامة! ومرة أخرى حين تنكمش درجاته بشيء من الإجحاف.
وغيرها الكثير جدًا من التطبيقات السيئة اليومية لحقّ القوامة، الحقّ الذي ربما يحقّ سلبه من كل من يعاني أمراضًا نفسية يُصدّرها للمجتمع على أنها أساسيات المعاملة فترى أفرادًا ضاقت عليهم الحياة رغم براحها يُقاسون مُرًّا وينتظرون طوفانًا كطوفان نوحٍ عليه السلام يأتي ليُزيح مفاهيم الجاهلية الحديثة هذه والرجوع إلى المسار الصحيح الذي يُكسب النفوس هدوءها وإقبالها على الحياة للتركيز على السبب الأسمى للخلق والعمل للدار الخالدة.