ولو بعد حين

الحمد لله، الرضا والقناعة، كل شيء



“أجل يا صديقي، كل ذاك قد حدث معي، وأشعر أنّ كلّ ما بنيتُه قد دُمّر وراح هباءً منثورًا؛ لكن ما باليد حيلة سوى أن أقول الحمد لله على كل شيء. أنا لا أعلم ما قد يحدث إذا تمّت تلك الصفقة، في حين أنّها كانت تعتبر صفقة القرن -بالنسبة إليّ- كما يقولون، ولكن شكرًا لدعمك لي، وشكرا على تذكيرك لي بقول الحمد لله، فقد أحسست ببعض الراحة. رغم بساطتها؛ إلّا أنّ لها مفعولٌ سحري داخل النفس، إلى لقاءٍ قريب يا صديقي“.
انتهت المكالمة على لقاءٍ آخر يجمع بينهم إلى حين، وفي بُعدٍ كَوْنِي آخر متناسق بالتوازي مع تلك المكالمة، توجد مكالمة أخرى سياق حديثها مختلف عن سابقتها بعض الشيء.
“أجل يا صديقي، كل ذاك قد حدث معي، وأشعر أنّ كل ما بنيتُه قد دُمّر وراح هباءً منثورًا؛ لكن ما باليد حيلة. لا أعلم لماذا حدث هذا لي دونًا عن غيري، لماذا أنا؟ أنا راضٍ؛ ولكن لماذا؟ إنها حتى ليست بالشيء الجلل الذي من الممكن عدم حدوثه، جُلّ ما أردته هو الفوز بتلك الجائزة، وأنا على يقينٍ بامتلاكي المهارات للفوز، وربما أفضل حتى من أناسٍ آخرين، هذا ليس غرورًا ولكن ثقةً بالنفس. على أيّ حال، الحمد لله، سأُضطر لإنهاء المكالمة الآن وأُحدّثك لاحقًا، عليَّ الذهاب“.
انتهت هذه بوداعٍ عابرٍ بينهم، مع وعدٍ بمكاملة في المستقبل القريب، وأخيرًا مكالمة أخرى ثالثة موازية لنفس البعد الكوني للحديث ومضمونه باختلاف التفاصيل.
“أجل يا صديقي، كل ذاك قد حدث معي، وأشعر أنّ كل ما بينته قد دُمّر وراح هباءً منثورًا. لا أعلم لماذا يحدث كل هذا لي دونًا عن غيري، لماذا أنا؟ ما بال أمر الرضى الآن! أنا لست راضٍ البتة، بعد كل هذا العناء لَم أرجُ نتيجةً تستحق! بعد كل ما قدّمته! إذًا ماذا عليّ أن أفعل كي أجد نتيجة تُذكر، تضع قيمةً لحياتي التي لم أصل فيها لأي شيء؟
يملؤني التعجب من وجود أشخاص يجدون تلك النتائج بأسهل طرق ممكنة، أسهل حتى مما قد فعلت، وهم من الأساس لا يستحقون نصف الفرصة، فلماذا كل هذا؟ أنت حتى غير مفيد البتة، مجرد كلمات تُصدِّرها لي لكنها ليست حلولًا! ما فائدتك إذًا كصديق وأنت فقط تقوم بإلقاء نصيحة كهارب لا يريد مواجهة الأمور؟ اُغرب عن وجهي وجِد لك صديقًا آخر يحتمل سلبيّتك تلك، وإني لأشكّ بذلك“.
لا داعي لإيضاح كُنْه نهاية تلك المكالمة؛ فهي واضحةٌ كصفاء السماء من السحاب. والآن ما الغرض من تلك المكالمات التي قد تكون لشخص واحد؛ لكن في أبعاد كونية موازية لبعضها، وبعيدًا عن هوية الفرصة التي يودّ أن يحقّق نتيجة منها يكون لها تأثيرٌ ملحوظٌ في حياته ولو في المستقبل القريب؟ أولاً، ما هي أوجه الاختلافات بين كل مكالمة ونظيراتها؟
مناقشة ما حدث مع الصديق كان عاملاً مشتركًا بين الثلاث؛ لكنّ الأول والثاني فقط يشتركون في قول “الحمد لله”، وبين الثاني والثالث فقط يشتركون في السؤال السام “لماذا أنا؟”!
ما الفرق الذي يميّز واحدًا عن الآخر؟ ففي النهاية لم يحقق الثلاثة أيّ نتيجة مرجُوّة، هذا ما قد يعتقده البعض لوهلة؛ لكن لإيضاح الصورة من زاوية كاملة، فلابد من ذكر ما قد حدث بعد إغلاق الخط في كل بُعد.
الأول قد وعد بلقاءٍ قريب يجمعه بصديقه ووفّى بوعده -مع مفاجأة صدمت صديقه-، جاءته صفقةٌ تأثيرها أعظم من سابقتها؛ لكنها ليست مربحةً كما الأولى، لكن سوف يستفيد من نتيجتها أكثر من شخص، وهو راضٍ تماما عن ذلك؛ لأن الصفقة ستعود بالنفع على عدة أشخاص، أما الثاني فقد وعد بمكالمة عمّا قريب، وفي الشهر التالي رفع سماعة الهاتف ليخاطب صديقه وقصّ عليه شأن دخوله مسابقة أخرى لم تكن جيدةً كالأولى؛ لكنّه فاز بها على أي حال، أمّا الثالث فلم يجد صديقًا يقابله أو يهاتفه عوضًا عن الذي تخلّى عنه، في حين أنّ صديقه قد أصبح شريكًا في صفقة مربحةٍ وبات راضٍ تمامًا كنوعية بطل قصة المكالمة الأولى، بسبب تلك الكلمات التي يمتلكها، “الحمد لله“، “أنا راضٍ“، بعد هكذا تفسير مفصّل ومبسّط قد وضحت نقاط الاختلاف الجوهرية بينهم، وأيضًا ظهر الغرض من تلك المكالمات.
“الحمد لله، الرضا والقناعة، كل شيء”، هذا هو الترتيب الصحيح لأي شيء نودّ الوصول إليه في الحياة، أو حتى لأي شيء لم يتمّ كما هو مخطط. “الحمد لله” ينبغي أن تكون على أفواهنا في كل خطوة نخطوها، والأهم أن نعِيَ مفهوم كل حرف فيها وسحرها المباشر على النفس، ومن ثَمّ تأتي القناعة والرضا عن كل ما قد يحدث في الحياة سواءً كان بالإيجاب كما أردنا، أو بالسلب ضد إرادتنا. وأمر الرضا والقناعة سهلٌ لغويًا صعبٌ فعليًا وعمليًا؛ لذا فكل شخص عليه إيجاد طريقته الخاصة والمُثلى لذلك؛ لأن الأمر في متناول اليد. فقط يحتاج أن يتعرّى من الغبار الذي يغطّيه لتظهر سهولة فهمه، أمّا عن الأمر الثالث فيعتبر القطب الآخر من المغناطيس سينجذب تلقائيًا ولو بعد حين.
قالها عم هلال قبلاً في فيلم عسل أسودإحنا هنا عندنا الكونسبت بتاع الحمد لله“، وقد صدق، فالحمد لله على كل شيء إذا كانت حتى تلك الكلمات لها التأثير المرجو منها أم لا، فأنا على قناعة تامة أنها ليست بالمعضلة الضخمة وليست بالنهاية، وعلى يقين أن أعظم منها سيقوم بزيارتي كلما كثرت المحاولات، في النهاية سأدرك كل شيء.