عبر حتى يفهموك لتفهمهم

القدرة على الإحساس بمشاعر الآخرين هي نتاج لخبرة الإنسان على مدار حياته.



حديثنا اليوم عن موضوع شائك يؤثر على علاقات الناس اليومية ويؤثر على قدرتنا على فهم أنفسنا وفهمنا للآخرين، فالذكاء العاطفي بدونه لن نستطيع إحداث أي تطور في حياتنا مهما بذلنا من جهد، فقدرتنا على التعامل بشكل صائب مع الآخرين وتكوين علاقات سوية ركن أساسي في استمرار الحياة، ففي الاتحاد قوة وفي التفرق ضعف وسنبدأ موضوعنا بطرح سؤال:

لماذا الذكاء الاجتماعي مهم؟

سنطرح بعض الأمثلة لذلك:

*الموقف الاول:

فكر في الشخص الذي تعتبره الأضعف في فهم مشاعر الآخرين، ربما يكون في غرفة مع أشخاص قلقين بسبب قرب موعد تسليم مشروع هام وهو غير قادر علي استيعاب هذا، أو ذهب لحضور جنازة وبدأ في الترحيب بالناس بمرح وهم ينتحبون ويبكون.

والآن خذ في اعتبارك سؤالين هامين:

١-هل عدم قدرة هذا الشخص على فهم مشاعر الناس قد تشكل له صعوبة في تكوين صداقات؟

٢-هل ذلك قد يشكل له صعوبة أيضا في تكوين العلاقات الرومانسية والحفاظ عليها؟

*الموقف الثاني:

فكر في هذا الشخص مرة أخرى، وتخيله يعمل مع أشخاص قاموا بإزعاجه، ولكنه غير قادر تمامًا على التعبير عن غضبه واستيائه، أو ربما هذا الشخص كان سعيدًا جدًا بهدية عيد ميلاده التي تلقاها من أصدقائه، ولكنه غير قادر على التعبير عن الشكر والامتنان.

وربما هذا الموقف أيضًا سيعيد إلى أذهاننا السؤالين السابقين:

هل هو سيتمكن من تكوين صداقات أو علاقات رومانسية والحفاظ عليها؟

إذا كنت مثل أغلب الطلاب الذين تم استطلاع رأيهم بشأن تلك الأسئلة، ستجيب مسرعًا بنعم على تلك الأسئلة السابقة. عندما نقوم بالتفكير في شخص لا يفهم كيف يكون شعور ورؤية الآخرين للعالم، غالبًا ما نفكر في شخص مزعج. إذا كان هناك شخص غير عاطفي مع الآخرين من حوله، فذلك يجعل كل أنواع التواصل والتفاعل صعبة، ويكاد يكون له آثار غير إيجابية على الصداقات.

بعد كل شيء هل تفضل أن تحصل على صديق جيد الذي يفهم مشاعرك أو هذا الذي لا يبدي أي اهتمام أو قلق بشأن عالمك العاطفي الذي بداخلك؟

وبالطبع تتم مضاعفة تلك التساؤلات عندما نفكر في شريك عاطفي على المدى الطويل، أتفضل أن يكون لديك زوج يشعر ويفهم حالتك العاطفية أم من هو جاهل كل الجهل بما يتعلق بما تشعر به؟ أعتقد بأن الجواب لا غبار عليه.

-الشيء نفسه يخطو نفس الخطى في مسألة التعبير العاطفي. من الصعب أن تكون صديقًا لشخص ليس فعالًا في كيفية التعبير عن مشاعره. وفي الغالب ما يجعل من قراءة وفهم هؤلاء أمرًا صعبًا، والذي بدوره يؤدي لمشاكل وخيمة ثم تتضخم تلك المشكلة في العلاقات العاطفية.

 

الذكاء العاطفي في سياق التطور.

ليست صدفة أن كتب “داروين” كتابًا يسمى “The Expression of Emotions in Man and Animals

عن تطور العواطف بين الإنسان والكائنات الأخرى. أدرك مبكرًا أن أنظمة العاطفة لدينا هي كما هي عليه، حتى لو كانت قادرة على إنشاء صعوبات في حياة المرء، لأنها ساعدت في مشاكل التكيّف لأسلافنا. أن تكون قادرًا على التعبير وفك شفرات العواطف له تأثير واضح على البقاء والتكاثر.

 

العجز في العملية العلاجية للعاطفة والتعبير يؤدي إلى مشاكل في العلاقات العاطفية والمثالية. ومن منظور تطوري، تلك الحقيقة تظهر بوضوح القيمة التكيفية في المهارات العلاجية للعاطفة، أو ما يسمى بالذكاء العاطفي.

فالعديد من الأبحاث السابقة والأكثر قبولًا لدى الناس قد صدرت من الباحث في السلوكيات الإنسانية العالم “باول إيكمان“، ففي أعماله السابقة قد دون أدلة قوية تقترح أن القدرة على الإحساس بمشاعر الآخرين هي نتاج لخبرة الإنسان على مدار حياته.

وعلي جانب آخر فإنه منذ تم إصدار الورقة البحثية الأولى عن موضوع الذكاء العاطفي عام(١٩٩٠) بواسطة بيتر سالفوي وجون ماير، فإن هذا الموضوع قد جذب اهتمام غير مسبوق سواء على مستوى العلماء والباحثين أو حتى عامة الناس، هذا الاهتمام الكبير بموضوع الذكاء العاطفي سببه أنه يتصل اتصالًا قويًا بتطور الإنسان في حياته، فهو يؤثر على جانبين، هما قدرة الإنسان على فهم مشاعر الآخرين، وقدرته على التعبير عن مشاعره الخاصة، وبالتالي فهو يؤثر على بقاء الإنسان وإنتاجيته على مدار سنوات الوجود الإنساني، وفي النهاية أود أن اوضح أن أي قصور أو عيوب في هذا الموضوع الشائك يكون لها نتائج سيئة على حيوات الأفراد.

ترجمة:

نهال الشربيني

محمود القاضي

 

مترجم عن:

https://www.psychologytoday.com/intl/blog/darwins-subterranean-world/202103/why-emotional-intelligence-matters