فوهة الزجاجة- بين اتنين

منذ سنوات طفولتي كنت أنساق لحلم لا يشبهني لمجرد أنه زُرع عن طريق الخطأ وراثة عن عائلتي



مبدئيًا وعلى كل حال، سلام عليكم كل السلام، سأبدأ أنا بعرض طريقة رؤيتي للموضوع، فأنا من كبيري مؤيدي العمل بغير مجال الدراسة بشدة، ومن أشد المعجبين بما يقوم به بالفعل، ويا لهول جمال من يستطيع أن يقوم بصعود درجات السلم لهذا الهدف في خلال سنين دراسته، فعليها تكون سنون الدراسة المكتوبة عليه في محاذاةٍ لسنين تعلُّمه واكتسابه الخبرة في العمل الذي يحبه.

منذ سنوات طفولتي كنت أنساق لحلم لا يشبهني لمجرد أنه زُرع عن طريق الخطأ في عقلي وراثة عن عائلتي التي تشتمل أكثر من طبيب والتي تهوى حب الأطباء ومكانتهم، فكان كل تفكيرهم أنك متميز في دراستك فأنت طبيب بالفطرة، وتمر سنوات الدراسة ولم أُوفق لدخول كلية الطب، فأعرف كلية قمة أخرى ترتبط بالطب لكنها حديثة الإنشاء، لكن لحسن الحظ ع حسب اعتقاد عائلتي أني عرفت تلك الكلية، لكن بعد سنين وعي وإدراك ومحاولات تقبل فاشلة أدركت أني لا أنتمي للمجال الطبي حبًا ولا شغفًا، وإنما مجرد أن أحتفظ بمجموع درجاتي في الثانوية العامة وإرضاءً لرغبات العائلة، لكنها مشيئة لا تتغير ولكن أستطيع أن أغيرها أنا في اكتساب الخبرة واكتساب مقدرتي في عمل أشياء أخرى تشبهني.

فلنختصر ونعرض بعضًا من آراء أشخاص آخرين وسبب تفضيلهم لهذه الخطوة.

فكان رأي أحدهم: مثلًا دخول نشاط طلابي في أثناء سنين الدراسة جعله يكتشف موهبة وقدرة إبداعية في مجال بعيد كل البعد عن مجال الدراسة، فتتولد الرغبة في استكمال الطريق فيه ومجرد الاحتفاظ بشهادة التخرج،
ويأتي ف محاذاة ذلك من يقضي خمس سنين عجاف في كلية تجعل الشخص يهدر وقته وماله وصحته، ومن ثم بعد التخرج يتخذ مساره المحبب في عالم لا يمت بصلة لعالم المجال الذي درس فيه.

وقالت أخري: بعد دخول الكلية وبعد قضاء نصف مدتها وبعد محاولات في التخلص من الضغط والقلق بشأن التواجد فيها، تمر السنين ولا يزول القلق، فعدم الارتياح سبب كافي لعدم إهدار وقت إضافي فيما بعد الكلية للعمل في مجال لا تشعر بقيمتك ولا كينونتك فيه.

وتضيف أخرى: أن أقل ما في الأمر وأضعف الأسباب أن تكون سببًا لأذى المواطن عن طريق إعطاء دواء لا يناسب المرض، أو طريقة بناء غير نافعة، أو أي طريقة أخرى تؤذي بها الغير، ويأتي ذاك وغيره لأنك وببساطة قررت العمل بمجال دراستك الذي لا تحبه لمجرد أنك لا تستطيع المواجهة، سواء كانت مواجهة نفسك أو المجتمع بأنك نعم أضعت مالًا وجهدًا ووقتًا وصحةً من بدنك في سنين تعليم لا تعمل بها، ولكنه عند الله أنعم من أن تؤذي الآخر بها.

ومنهم أيضًا من قال: المال والراتب وتحسين دخلي سبب أدعى لترك العمل بمجال دراستي الذي أقتضي منه راتبًا لا يكفي مصروفات عشرة أيام من الشهر، لأعمل بوظيفة في غير مجال الدراسة لكن راتبها يؤمن مستقبلي ومستقبل رعيتي فيما بعد.

وآخر قال: إذا توافرت أمامي فرصة للعمل بالخارج براتب مغري في غير مجال دراستي، فنعم ليس على سنين دراستي ندم.

وآخر يشاركني في الرأي لعدم حبه لمجال دراسته من البداية، وآخر يختار له القدر ألا يستمر في العمل بمجال دراسته، فقد يصاب بمرض يمنعه مثلًا لو كان طبيب أشعة، فيتطلب منه عدم التعرض للأشعة في عمره الجديد.

وآراء من كل النواحي وتذبذبات حول نعم ولا، فتقول إحداهن: بعد دخول الكلية وبعد التعرف على طبيعة العمل بها بعد التخرج لم يروقني الحال ولم يناسبني، فقررت المخاطرة بخوض تجارب في مجالات أخرى لحين الاستقرار في مجال يطمئن سريرتي.

وآخر على محمل الكوميديا السوداء يقول: ماذا لو لم يكن لمجال دراستي عمل؟!
ومنهم من دخل الكلية ومر فيها مرور الكرام كتحصيل حاصل ولم تفده، ولا تتخلله أي رغبة للعمل بها، ومنهم من ينظر نظرة أبناء السوق فيبحث عما يحتاجه السوق ليعمل به.

والجدير بالذكر أن هناك من يعمل بمجال دراسته؛ حتى يسكت فم المجتمع والمحيطين في عدم ترك المجال الذي أُهلك فيه خلال سنين الدراسة، فيعمل حتى يكوّن رأس مال يبدأ به مشروعه الخاص في المجال الذي يحبه.

ومنهم المؤمن إيمانًا كاملًا بالتجربة أولًا بالعمل في مجال دراستك، فإن لم تفلح فعليك بمجهودك في مجال آخر، والأكثر عقلًا من يرى أنه لا داعي لهدر سنين أخرى في عمل لا تحبه ولا تنفع به زيادة عن سنين دراسة فنت في مجهود لا تعزز به.
وآراء وانتقادات وتأييدات وأكثر حول من يعمل بمجال دراسته ومن يستمر في حياته في مجال لا يمت لسنين الدراسة، وكأنه لم يدرس أبدًا في هذا المجال.

ولننوه سريعًا أنه إذا اتخذت هذا الطريق فكن على حذر، ولا تفقد شغفك الخاص به، ولا تسمع لصوت المجتمع ولا لأي صوت يثبط من همتك، ولكن خذ ما يلزمك من الاحتياطات في وضع دراسة خاصة بالمشروع الذي تحب أن تبدأ به، والسعي وراء اكتساب الخبرة، والتجربة ثم التجربة والصبر حتى تصل، وأخيرًا لا تفعل إلا ما تحب وترضى، وما يمليه عليك قلبك أولى، ولا تجعل حزنك على العمر الفائت يلهيك عن القادم، والأهم من السهل المتاح هو المناسب المريح، وتذكر دائمًا:
“It’s never too late to make the right decision and take a step forward”.

والآن بعد عرض جميع النقاط وأوجه النظر من طرف واحد، يأتي الدور على الطرف الآخر حتى تكتمل أركان الدائرة بأقطارها أجمع، ويأتي سؤال محوري نستعرض به بعض الإجابات عن حياة ما بعد التخرج، خاصة الإصرار على إكمال ما بدأته سنون الدراسة: ماذا عن أولئكم الذين يصرون على العمل بما قد أقرته سنوات الكلية، ودراسة ما لا يقل عن أربع سنوات وربما يزيد في مقرر لم يستفد منه بعض الأشخاص؟ وما السبب وراء ذاك الإصرار؟
وجاءت بعض الإجابات على النحو التالي:
فقد رأى أحدهم أن الشخص -على الأقل- عندما ينتهي من سنوات الدراسة سيكون لديه وظيفة مضمونة بما قد درسه آنذاك، بدلًا من أن يعرض نفسه لخطر سوق العمل، ويتجه لوظيفة لا خبرة لديه فيها، أو بالمختصر المفيد “المضمون مرغوب”.
ورأى آخر أن بعض الأشخاص عند تحديد طبيعة العمل يختارون ما تم دراسته تماشيًا مع مبدأ “المنطقة المريحة” وعدم إهدار سنوات أخرى في تعلم شيء جديد، لأن العامل الرئيسي لعدم الخروج عن تلك الدائرة أو المنطقة هم الأهل والضغط الواقع على الشخص من قبلهم، فبعد شهادة التخرج تأتي الوظيفة، أو هذا ما هو متعارف عليه بين الآباء.

أما عن رأي ثالث فيعتقد أنه مهما كانت الإفادة خلال الدراسة قوية، فخبرة سوق العمل تختلف اختلافًا جوهريًا عن سابقتها، لذا فلا داعي للتعمق في مجال آخر لأن السنوات الضائعة سوف تتضاعف بسنوات الخبرة، وأما عن الخبرة فقد تأتي بالممارسة أثناء وبعد الدراسة.

أما عن رأي أخير، فقد قيل أن الشخص في الغالب تهون عليه نفسه التي راحت صحتها هدرًا خلال سنوات الدراسة من خلال تسليمات وامتحانات شفهية وتحريرية، مع ضغط مستمر، فيكون من الصعب أن يتخلى عن المجال الذي قد أذاقه العذاب خلال أربع أو خمس وربما سبع سنوات، ويريد أن يرى نتيجة جهده في عمله الذي قد ساقه القدر إليه من خلال الكلية ودراسة مقررها.
فقد تباينت الآراء في بعض النقاط وتشابهت في أخرى، لكن يبقى الرأي الأوحد هو العمل بنفس ما قد تم دراسته أثناء الدراسة، وعدم إهدار سنوات عجاف في سبيل العثور على مجال مناسب، فالوقت مثل السارق، يأخذ منك من غير سابق إنذار، لذلك فالمنطق يقول المضمون مرغوب، والمنطقة المريحة هي الضمان لحياة أفضل بعد التخرج.