لكل إنسان كبوة

لكل إنسان حياة، وتلك الحياة كبوة



لكل حصان كبوة“، مَثَل أُطلق على المهور؛ لكن ماذا بشأن الإنسان، ذلك الكائن الآدمي الذي تستمر الحياة بطرحه أرضًا، كلما عاود النهوض، كلما زادت قوّته بعد عودته مرة أخرى، زادت جرعة الألم من قبل الحياة، زادت جرعة الصعاب إلى ما يفوق الضعف. ربما يجب على الكائن البشري أن يتّخذ مثلاً يُختص به فقط دونًا عن كائنات الله أجمع!
لكل إنسان حياة، وتلك الحياة كبوة“؛ فالحياة بالفعل ما هي إلا كبوة بفعلتها تجاه الجميع، كبوة مستمرة أبد الدهر، كأنّها الشيء الوحيد المستمر بعد فناء أي كائن، وإذا أرادت الفناء، سوف يعني هذا فناء كل الكائنات قبلها حتى آخر نفس تستطيع أن ترتاح وتتنازل عن إكمال مهمّتها التي أتمّتها على أكمل وجه، وتفنى بعدها تلك الكبوة وتلك الحياة.
الجميع قد سئم ذاك الأمر، ذاك الكلام المخادع الذي يتمثّل في شيء أقرب إلى السخرية، بل أقرب إلى الاستهزاء بالطبيعة البشرية؛ فكلّ روح قادرة على السقوط وليس لها أن تنهض مرة أخرى إذا أرادت ذلك، من يعاودها على الاستمرار هي ما تربّت عليه الطبيعة البشرية وليس أصلها التي وجدت به، حتى ولو سقطت ولم تعاود النهوض مرة أخرى لبعض الوقت، فقط بضع لحظات من الراحة والتفكير في الأمور ودراسة كل منها على حدة، وكيفية استغلال كل نقطة إذا ما أرادت النفس استكمال ما بدأت؛ لكن ليس عيبًا إذا قرّرت تلك النفس الاستسلام، ليس عيبًا أن تقول “هذا يكفي، لقد سئمت كل ذلك، بل بالعكس إذا ما رضيت تلك النفس بحالها التي قد تعبت من خلاله، فيعني ذلك نهاية كبوته ولو بشكل مؤقت. الجميع يعتقد أن المرادف لكلمة “كبوات” هي “الصعاب” -الحديث ليس حرفيًا من جانب اللغة العربية-؛ ولكنّ المرادف لها هي “الحياة”، وإذا رضيت النفس بحالها، ستجد ذاك الجانب من الحياة قد سئم أيضًا من المحاولة في الاتجاه المضاد، كأنها علاقة طردية؛ كلما زادت المثابرة والعناد ضد الحياة، كلما زاد عنادها المضاد، وهذا ما يجعل قانون نيوتن يتحقق في كل شيء في الحياة، بل للحياة أيضًا؛ “لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار، ومضاد له في الاتجاه”.
تلك الحياة قد خلقت لها مساعدًا يحقق لها نفوذها، ويقوم هو بكل أعمالها، ذلك الكلام المزيف الذي تجده منطلقًا من أفواه لا تعلم ماذا تعنيه تلك الكلمات، أو متى تقال، وكيف تقال أيضًا، ذلك الكلام المعسول الذي يستنزف ما في داخل الكائن البشري من طاقة، تدفعه بجنون لإهدارها وتلك النفس غير متيقنة من نتيجة الأمر في نهايته. لعبة خبيثة تلعبها الحياة ضدّنا، متمثلة بكل العوامل المساعدة الممكنة؛ لتحقيق هدفها مهما صار، لكن أين الحل من فخ كهذا؟ أين السبيل للهروب؟ وإذا لم يعد هناك هروب، أين السبيل لمواجهة عنصر هدفه القضاء على النفس بكل ثمن ممكن؟
السبيل ليس في الهروب، وأيضًا ليس في المواجهة، السبيل هو في المحاكاة، محاكاة الحياة بحياة أخرى، مصطنعة نعم؛ لكنّها صنيعة النفس البشرية التي ضاقت ذرعًا من أفعال النسخة الأصلية من الحياة، ضاقت ذرعًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، خلق حياة أخرى بقوانين خاصة وأهداف تركز على ما في داخل الروح والعقل، ليست ثابتة، بل متغيرة مرنة يمكن امتصاص ما قد يأتي من صعاب ترغم النفس على الوقوع في الوحل؛ لكنّها برغم الوقت الطويل التي من الممكن أن تأخذه لمساعدة الإنسان على النهوض مرة أخرى، فهي متمثلة لقوانين خاصة مُعدّة خصيصًا لمجابهة الكائن الأصلي والأوحد في كل الحيوات.
ليس من سبيل آخر سوى ذلك، فالحياة في جعبتها الداخلية تمثل مرآة للطبيعة البشرية، كلما ازدادت الصعاب زاد عناده أكثر، كذلك الحياة، كلما زاد عناد الإنسان أكثر، كلما زادت قوتها وثبورها، أما إذا لما تجد أيّة مقاومة تُذكر، ستخرّ أرضًا تاركة المجال لخليفتها التي خلقتها النفس البشرية بقوانين خاصة تستطيع من شأنها أن توصلها إلى خط نهاية الحياة بكل أمان مهما وجدت عقبات ومنحدرات في الطريق إلى هناك.