“الوجهة أُمُّ الطريق”

ماذا بعد الخطة؟



متى تضع الخطة الكاملة، تنطلق الرحلة“، مبدأ يسير عليه النسبة العظمى من الأشخاص إذا لم تقارب النسبة الكاملة، أي طريق يتم اختياره لخوض غماره، يتم وضع خطة للسير عليها بحذافيرها، أو وضع مجال للارتجال إذا ما حدث أي تغيير مفاجئ لذلك السبيل؛ لكن ماذا بعد الخطة؟ ماذا عن خوض غمار ما في جعبة الخطة للوصول إلى نهايتها محقّقًا الهدف المرجو منها؟

الإجابة على تلك الأسئلة ليست محددة بمنهجية معينة، كتلك الكتب التي تقول لك “نعم أو لا”، “ذاك أو تلك فقط لا غير”؛ لكنّ الإجابة كانت فارقة بسبب عدم انحيازها لأي جانب من جوانب الإجابة على السؤال المرجو، بل تذبذبت بين ذاك وتلك كطرف محايد لا يريد أن يفتعل أية مشكلة لأي حزب يتّجه إلى إجابة معينة، فعند سؤال بعض الأشخاص “أيهما أَهَم، الوجهة أم الطريق؟ ولماذا؟“، كانت الإجابة متراوحة بين الوجهة وبين الطريق، مفضّلين الأول أو الأخير، ونسبة قليلة جعلت نفسها محايدة لحياد السؤال ذاته.

فعن تلك الفئة التي انحازت إلى الوجهة، كان رأيها متمثّلاً في أسباب عديدة:

“لإن لو مفيش وجهة فإنت زي أي شخص قافل عينه وقرّر يمشي مستقيم؛ بس غصب عنه هيقع أو هيلف والطريق هيتغير ومش هيوصل خالص، إنما طول ما فيه وجهة محددة مع تغيير الطريق فإنت باصص قدّامك وهتوصل في الآخر.”

“عشان أيًا كانت الوجهة فالواحد مش هيعرف يلاقيلها طريق مع الوقت أو الاجتهاد إنه يدوّر كتير؛ لكن لو الواحد ماشي في طريق ومش عارف وجهته، هيحس إنه تايه عشان مش عارف هيوصل لإيه في الآخر”.

“الوجهة ليها طريق محدد للوصول إليها، فاختيار الوجهة هيحدّد الطريق، على العكس اختيار الطريق قد يؤدي إلى وجهة غير مرغوب فيها.”

“لإننا بنمشي الطريق عشان نهايته لأجل هدف معين، السير في الطريق عشان الطريق نفسه ممكن يحسّس الشخص إنه تايه؛ لكن عشان الوجهة ممكن الشخص يستحمل الطريق بكل مميزاته وعواقبه.”

“لو محدّدتش وجهتك قدامك يبقى أنت مش هتتحرك؛ لإن وجهتك هي الحاجة الوحيدة اللي هتحفّزك وقت ما تُقع في الطريق، أو بمعنى تاني هي الحاجة اللي بتخليك تكمّل للآخر.”

أما عن أولئِك الذين تفحّصوا السؤال عن عناية بالغة؛ حتى يمكنهم الوصول إلى إجابة يرضون عنها، فكانت الإجابات متمثّلة لأسبابٍ درسوها بتمعّن:

“الوجهة لا تهم حتى لو كانت رائعة، هتفيد بإيه بروعتها وطريقها مليان صعوبات ومشاكل، لا يمكن نكران أهمية الوجهة، لكن الطريق أهم”.

“الوجهة غالبًا بتكون من حاجات الناس المادية (فلوس، عربيات، بيت، إلخ)؛ لكن الطريق اللي هتاخده للوجهة هو الأهم. أحيانًا الناس بتضعف وبتغيّر مواقفها ومبادئها، ويغيروا الطريق المستقيم لأعوج.”

“الوجهة ممكن تكون غلط، وممكن تكون صح، الطريق لما تحدّده هيعرّفك نوعه إيه، ومن خلاله هتعرف الوجهة اللي هتمشي عليها، الطريق بِيعَلّم وهو اللي بيعرّف الشخص وجهته.”

 

“الطريق المستقيم سينتهي بك إلى وجهة عظيمة حتى لو كانت الوجهة من البداية سيئة، والطريق الأعوج سينتهي بك إلى وجهة سيئة حتى لو كانت الوجهة من البداية جيدة.”

“من ناحية الكلام المعنوي، ممكن يكون الشخص متحيّر في اختيار وجهته ومش عارف هو عايز إيه، عشان كدا ممكن نقول إن الطريق مهم، لإنّك باجتهادك في الطريق اللي اختارته بدون اختيارك للوجهة، فإنت هتوصل للوجهة اللي تستحقها على حسب مجهودك في الطريق اللي اختارته؛ لإن أكيد بعد كل التعب والحذر الشخص هيوصل لحاجه كويسة.”

أما عن تلك الفئة الفارقة الذين كانوا على حياد لحياد السؤال، فقاموا باختيار الإثنين معًا مبرّرين بذلك:

 

“بدون أن تعرف الوجهة، لن تجد الطريق، وبدون الطريق، لن تصل إلى الوجهة. الأصح بدل ما تميل لجانب منهم، إنّك تبدأ بأحد الجوانب، فبالتأكيد ستكون الوجهة ومن ثم يتبعها الطريق.”

 

“الوجهة بوصلة الطريق، كُون إنّك محدّد وجهتك، فإنت هتختار طريقك أيًا كان طريق سهل أو صعب، الاتنين في الآخر مكملين لبعض.”

“وجهان لعملة واحدة؛ فإن لم تختر الطريق الصحيح، فقد تنتكس وتتراجع عن وجهتك؛ بسبب العوائق الكثيرة في الطريق الخطأ، وإن اخترت وجهة خطأ، فلن يكون هناك فارق أي طريق تسلك، النهاية مكتوبة منذ البداية.”

“الاتنين مهمّين جدًا، وجزء لا يتجزّأ من أحدهما الآخر، العملية كلها في العموم نسبة وتناسب.”

“حتمية السعي لا تقضي الوصول، المهم تختار طريقك ولن تخسر شيء، لكن بعد اختيار الوجهة بالطبع، لأنه بدون أحدهما، لن يكون هناك وجود للآخر.”

ولكل قاعدة شواذ، فجاءت بعض الإجابات لا منحازة لذلك الجانب أو ذاك، ولا حتى قرّرت الحياد بينهم خشية إغضاب أيّ جانب منهم؛ بل جاءت إجابة كما يطلق عليها “برّا الصندوق“:

“لا أريد اختيار الوجهة ولا الطريق، أختار الرفيق؛ لأن لوحدك هتوصل أسرع بس هتوصل تعبان مجهد فاقد لكل طاقة جوّاك، الحكم بين الرحلة والوصول مش منطقي في ظل غياب الرفيق.”

“مفيش حاجه مهمة من الأساس، اشتري دماغك وامشي بمزاجك”.

إجابات متنوّعة وبعضها غريبٌ بعض الشيء؛ لكنّها في الأخير تدور حول مظلّة هبوط واحدة، التنافس بين الوجهة والطريق، ما بين أحدهما أوكلاهما أو لا شيء منهما، فحتمية السعي لا تقضي وجوب الوصول، ولهذا فلا فارق بين أي جانب ستختار أولًا أو منفردًا، ولا يهم أيهما سيأتيك بالنتيجة المرجوة. ما يمكن الاتفاق عليه أنّه مهما كانت وجهتك عظيمة، فلن تسير إلا بطريق خاص بها تعرف هي فقط كلمة السر الخاصة به.

وبالمثل، الطريق الذي تريد خوضه متجاهلًا وجهة ما، فأنت في الأخير ستصل إلى وجهة أيًا كانت، فهناك وجهة وهناك طريق ولا يمكن الفصل بينهما؛ لكن القول الأمثل لفضّ النزاع الذي فرض نفسه بينهما؛ هو أنّ “الوجهة أُمُّ الطريق“.

كتابة/ مصطفى قاسم.